محمد بن علي الشوكاني
498
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
إليها ، واستقر في ظل غروسها ، وشرب عذوبة أنهارها ، وأكل من لذيذ أثمارها ، قالوا : والصالحون باقون فيها ليستلذوا من نور الله " ، قال : " وقال النبي أشعيا في حقيقة التلذذ : لا عين [ تقدر تراه ] ( 1 ) إلا علم الله تعالى " . انتهى كلام موسى ابن ميمون المذكور . ثم قال هذا اللعين في كتابه المسمى بالمشنا بعد اعترافه فيه كما حكيناه عنه هاهنا ما لفظه : " اعلم أنه كما لا يدري الأعمى الألوان ، ولا يدري الأصم الأصوات ، ولا العنين شهوة الجماع ؟ كذلك لا تدري الأجسام اللذات النفسانية . وكما لا يعلم الحوت اصطقص النار لكونه في حده ، كذلك لا يعلم في هذا العالم الجسماني بلذات العالم الروحاني ، بل ليس عندنا توجد لذة غير لذات الأجسام ، وإدراك الحواس من الطعام والشراب والنكاح ، وما سمي غير ذلك فهو عندنا غير موجود ، ولا نميزه ، ولا ندركه على بادئ الرأي إلا بعد تحذق كثير . وإنما وجب ذلك لكوننا في العالم الجسماني في لذات ، فلا ندرك إلا لذته ، فأما اللذات النفسانية فهي دائمة غير منقطعة ، وليس بينها وبين هذه اللذة نسبة بوجه من الوجوه ، ولا يصح لنا في الشرع ، ولا عند الإلهيين من الفلاسفة أن نقول : إن الملائكة والكواكب والأفلاك ليس لها لذة ، بل هي لذة عظيمة جدا لما عقلوه من الباري - عز وجل - ، وهم بذلك في لذة غير منقطعة ، ولا لذة جسمانية عندهم ، ولا يدركونها ؛ لأنه ليس لهم حواس مثلنا يدركون بها ما ندرك نحن ، وكذلك نحن إذا تزكى منا من تزكى ، وصار بتلك الدرجة بعد الموت ، لا يدرك اللذات الجسمانية ، ولا يريدها ، كما لا يريد الملك عظيم الملك ، أن ينخلع من ملكه ليرجع يلعب بالكرة في الأسواق ، وقد كان في زمان ما بلا محالة يفضل اللعب بتلك الكرة على الملك ، وذلك من حين صغر سنه عند جهله بالأمرين جميعا . كما نفضل نحن اليوم اللذة الجسمانية على النفسانية .
--> ( 1 ) صوابه اللغوي [ تقدر أن تراه ] .