محمد بن علي الشوكاني

379

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

حكم العدم . وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم ، فلا ثناء إلا عليه ، ولا جميل إلا منه ، ولا تعظيم إلا له ، وفي هذا من إخلاص التوحيد ما ليس عليه مزيد . ومن ذلك قوله : } مالك يوم الدين { ( 1 ) أو ( ملك يوم الدين ) على القراءتين السبعيتين ( 2 ) ، فإن كونه المالك ليوم الدين يفيد أنه لا ملك لغيره فلا ينفذ إلا تصرفه لا تصرف أحد من خلقه من غير فرق بين نبي مرسل ، وملك مقرب ، وعبد صالح [ 52 ] ، وهكذا معنى كونه } ملك يوم الدين { ، فإنه يفيد أن الأمر أمره ، والحكم حكمه ليس لغيره معه أمر ولا حكم ، كما أنه ليس لغير ملوك الأرض معهم أمر ولا حكم ، ولله المثل الأعلى . وقد فسر الله هذا المعنى الإضافي المذكور في فاتحة الكتاب في موضع آخر من كتابه العزيز فقال : } وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله { ( 3 ) ومن كان يفهم كلام العرب ونكتة وأسراره كفته هذه الآية عن غيرها من الأدلة ، واندفعت لديه كل شبهة ، ومن ذلك قوله : } إياك نعبد { ( 4 ) فإن تقدم الضمير قد صرح به أئمة المعاني والبيان ، وأئمة التفسير أنه يفيد الاختصاص ، فالعبادة لله - سبحانه - لا يشاركه فيها غيره ، ولا يستحقها سواه ، وقد عرفت أن الاستغاثة ، والدعاء ،

--> ( 1 ) [ الفاتحة : 4 ] . ( 2 ) قرأ عاصم والكسائي بالألف أي ( مالك يوم الدين ) وقرأ الباقون بغير الألف ( ملك يوم الدين ) وذكر الليث بن خالد أبو الحارث البغدادي وهو من جلة أصحاب الكسائي عن الكسائي أنه خير في ذلك . الكشف عن وجوه القراءات السبع ( 1 / 25 ) مكي بن أبي طالب القيسي ، وانظر زاد المسير ( 1 / 10 - 15 ) . ( 3 ) [ الانفطار : 17 - 19 ] . ( 4 ) [ الفاتحة : 5 ] .