محمد بن علي الشوكاني
372
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أنواعه التوبة للشيخ ، فإنها شرك عظيم ، ومن أنواعه النذر لغير الله ، والتوكل على غير الله ، والعمل لغير الله ، والإنابة والخضوع والذل لغير الله ، وابتغاء الرزق من عند غير الله ، وإضافة نعمه إلى غيره . ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى ، والاستغاثة بهم ، والتوجه إليهم ، وهذا أصل شرك العالم ، فإن الميت قد انقطع عمله ، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، فضلا لمن استغاث به ، أو سأله قضاء حاجته ، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها ، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده ، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، والله لم يجعل استعانته وسؤاله سببا لإذنه ، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد ، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها ، وهذا حال كل مشرك . والميت محتاج إلى من يدعو له ، ويترحم عليه ، ويستغفر له كما أوصانا ( 1 ) النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ، ونسأل الله لهم العافية والمغفرة ، فعكس المشركون هذا ، وزارهم زيارة العبادة في قضاء الحوائج والاستعانة بهم ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ، وسموا قصدها حجا ، واتخذوا عندها الوقفة ، وحلق الرؤوس ، فجعلوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات ، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك ، وأولياء الموحدين المخلصين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم ومعاداتهم ، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص ؛ إذ ظنوا [ 46 ] أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم أمروهم به ، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان ، وما أكثر المستجيبين لهم . ولله در خليله إبراهيم حيث يقول : } واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس { ( 2 )
--> ( 1 ) ( منها ) ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 104 / 975 ) والنسائي رقم ( 2040 ) وابن ماجة رقم ( 1547 ) والبغوي في " شرح السنة " رقم ( 1555 ) وأحمد ( 5 / 353 ، 360 ) من حديث بريدة ، رضي الله عنه قال : كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا : " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية " وهو حديث صحيح . ( 2 ) [ إبراهيم : 35 - 36 ] .