محمد بن علي الشوكاني
367
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
البحث ، والتدافع الخالص ! . انظر كيف ذكر في أول البحث أن كفر من يدعو الأولياء ، ويهتف بهم عند الشدائد ، ويطوف بقبورهم ، ويقبل جدراتها ، وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عملي ! . فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة ، وتقبيل الجدران ، ونذر النذورات ! هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد ، فهذا لا يفعله إلا مجنون ، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت ، فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال ! . ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل ، لا كفر اعتقاد بقوله : لكن زين له الشيطان [ 41 ] أن هؤلاء عباد الله الصالحين ، ينفعون ، ويشفعون ، ويضرون ! فاعتقد ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام . فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية ، وأثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل . وليت شعري أي فائدة لكونه اعتقاد جهل ! فإن طوائف الكفر بأسرها ، وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق ، والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلا . وهل يقول قائل : إن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذرا لإخوانهم المعتقدين في الأموات ! . ثم تمم الاعتذار بقوله : لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد إلى آخر ما ذكره . ولا يخفاك أن هذا عذر باطل ، فإن إثباتهم للتوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون ، وإن كان بأفعالهم فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم . ثم كرر هذه المعنى في كلامه ، وجعله السبب في رفع السيف عنهم ، وهو باطل فما ترتب عليه مثله باطل ، فلا نطول برده ، بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم ، وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده ، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من