محمد بن علي الشوكاني

364

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يفرق بين الكافرين ، ولم يميز بين الأمرين ، وذكر ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان في كفر دون كفر ، وما قاله العلامة ابن القيم : إن الحكم بغير ما أنزل الله ، وترك الصلاة من الكفر العملي ، تحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحود وعناد ، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا ، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه ، وأما كفر العمل فهو نوعان : نوع يضاد الإيمان ، ونوع لا يضاده . ثم نقل عن ابن القيم كلاما في هذا المعنى . ثم قال السيد المذكور : قلت : ومن هذا - يعني الكفر العملي - من يدعو الأولياء [ 38 ] ويهتف هم عند الشدائد ، ويطوف بقبورهم ، ويقبل جدرانها ، وينذر لها بشيء من ماله ؛ فإنه كفر عملي لا اعتقادي ، فإنه مؤمن بالله وبرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وباليوم الآخر ، لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون ، ويشفعون ، ويضرون ، فاعتقدوا ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام ، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لما دعاهم إلى كلمة التوحيد : } أجعل الآلهة إلها وحدا { ( 1 ) ، فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة ، وقالوا في التلبية : " لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك " ( 2 ) فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له ، لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له تعالى ، بل مملوك ، فعباد الأصنام جعلوا لله أندادا ، واتخذوا من دونه شركاء ، وتارة يقولون : شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى ، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر ؛ فإنهم مقرون لله بالوحدانية ، وإفراده بالإلهية ، وصدقوا رسله ، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد .

--> ( 1 ) [ ص : 5 ] . ( 2 ) تقدم تخريجه ( ص 338 ) .