محمد بن علي الشوكاني
357
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
} وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين { ( 1 ) ، } ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب { ( 2 ) [ 32 ] . واعلم أن ما حررناه وقررناه من أن كثيرا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركا قد يخفى على كثير من أهل العلم ، وذلك لا لكونه خفيا في نفسه ، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر ، وكونه قد شاب عليه الكبير ، وشب عليه الصغير ، وهو يرى ذلك ويسمعه ، ولا يرى ولا يسمع من ينكره ، بل ربما يسمع من يرغب فيه ، ويندب الناس إليه ، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة ، وللعامة فيهم اعتقاد . وربما يقف جماعة من المحتالين على قبره ، ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ، ليستجلبوا منهم النذور ، ويستدروا الأرزاق ، ويقتنصوا النحائر ، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم ، وعلى من يعولونهم ويجعلوا ذلك مكسبا ومعاشا . وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ، ويجملون قبره مما يعظم في عين الواصل إليه ، ويوقدون في مشهده الشموع ، ويوقدون فيه الأطياب ، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجم ، فينبهر الزائر ، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق ، وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده ، والاستغاثة به ، والالتجاء إليه ، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات ، مع خضوعهم واستكانتهم ، وتقريبهم له نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر ( 3 ) . فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة ، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في بادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك [ 33 ] من أعظم القربات ، وأفضل الطاعات ، ثم لا
--> ( 1 ) [ الذاريات : 55 ] . ( 2 ) [ آل عمران : 8 ] . ( 3 ) انظر : " الإبداع في مضار الابتداع " للشيخ علي محفوظ ص 141 " الفتاوى المصرية " لابن تيمية ( 1 / 312 ) . " اقتضاء الصراط المستقيم " ابن تيمية ( 2 / 651 ) .