محمد بن علي الشوكاني
353
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الغيب ( 1 ) وغير ذلك مما لا يحصر ، حتى إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قال لعمر لما خرج معتمرا : لا تنسنا يا أخي من دعائك ( 2 ) . فمن جاء إلى رجل صالح ، واستمد منه أن يدعو له ، فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات ، بل هو سنة حسنة ، وشريعة ثابتة ، وهكذا طلب الشفاعة ممن جاءت الشريعة المطهرة بأنه من أهلها كالأنبياء ، ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة : " سل تعطه ، واشفع تشفع " ( 3 ) وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به في كتابه العزيز . والحاصل [ 29 ] أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها . ومن ذلك الدعاء فإنه يجوز استمداده من كل مسلم ، بل يحسن ذلك . وكذلك الشفاعة من أهلها الذين ورد الشرع بأنهم يشفعون ولكن ينبغي أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته ، وكذلك شفاعة من يشفع لا تكون إلا بإذن الله ، كما ورد بذلك القرآن ( 4 ) الكريم ، فهذا تقييد للمطلق لا ينبغي
--> ( 1 ) ( منها ) : ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2733 ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول : " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل " . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 1 / 29 ، 2 / 59 ) وأبو داود رقم ( 1498 ) والترمذي رقم ( 3562 ) وقال : حديث حسن صحيح . وابن حبان في المجروحين ( 2 / 128 ) وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم ( 387 ) من حديث عمر . وهو حديث ضعيف . ( 3 ) تقدم تخريجه ( ص 311 ) . ( 4 ) منها قوله تعالى : ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) ، [ يونس : 3 ] . وقوله تعالى : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) [ مريم : 87 ] وقوله تعالى : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) [ طه : 109 ] .