محمد بن علي الشوكاني
345
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
للميت ، وحملته إلى قبره ؟ فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض ، وفعلك وأنها عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته ، وأمر قد أردته ، وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم ، ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين ، فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه ، فرارا عن أن يلزمك ما لزم عباد الأوثان الذين حكى الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } ( 1 ) ، وبقوله : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون } ( 2 ) [ 24 ] . [ كلمة التوحيد لا تكفي مجردة عن العمل ] فإن قلت : إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد ، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها . قلت : هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم ، وخالفوها بأفعالهم ، فإن من استغاث بالأموات ، أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه - ، أو عظمهم ، أو نذر عليهم بجزء من ماله ، أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال ، فهو يعتقد معنى لا إله إلا الله ، ولا عمل بها ، بل خالفها اعتقادا وعملا ، فهو في قوله : لا إله إلا الله كاذب على نفسه ، فإنه قد جعل لها إلها غير الله يعتقد أنه يضر وينفع ، وعبده بدعائه عند الشدائد ، والاستغاثة به عند الحاجة ، وبخضوعه له وتعظيمه إياه ، ونحر له النحائر ، وقرب إليه نفائس الأموال . وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتا للإسلام ، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية ، وعكف على صنمه يعبده لم يكن
--> ( 1 ) [ الأنعام : 136 ] . ( 2 ) [ النحل : 56 ] .