محمد بن علي الشوكاني
342
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
لا يحتاج إلى رشوة بنذر ، أو ذبح ، ولا تعظيم ، ولا اعتقاد ، لأن المدعو هو الله - سبحانه - ، وهو أيضًا المجيب . ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط ، بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح ، فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك ! وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكا أو استقلالا ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة ، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل وهو يقول بلسانه : يا فلان ، مناديا لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه ( 1 ) . ومن أنكر حصول النداء ( 2 ) للأموات والاستغاثة بهم استقلالا فليخبرنا ما معنى ما يسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم : يا ابن العجيل ، يازيلعي ، يا ابن علوان ، يا فلان يا فلان ، وهل ينكر هذا منكر ، أو يشك فيه شاك ، وما عدى ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم ؛ ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه ، وفي كل مدينة جماعة منهم ، حتى إنهم في حرم الله ينادونه يا ابن عباس ، يا محجوب ، فما ظنك بغير ذلك ! فلقد تلطف إبليس وجنوده - أخزاهم الله - لغالب أهل الملة الإسلامية بلطيفة تزلزل الأقدام عن الإسلام . فإنا لله وإنا إليه راجعون ( 3 ) .
--> ( 1 ) يقول الغزالي : " أليس من المضحك أن نستنجد بقوم يطلبون لأنفسهم النجدة وأن نتوسل بمن يطلب هو كل وسيلة ليستفيد خيرا أو ليدفع شرا ؟ " { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه } [ الإسراء : 157 ] . عقيدة المسلم ( ص 77 ) . ( 2 ) انظر : " مصرع الشرك والخرافة " ( ص 217 - 225 ) . رسالة " كنت قبوريا " ( ص 15 - 28 ) . ( 3 ) وليس الأقطار اليمنية فقط وليس ضريح السيد البدوي هو وحده يستقبل الملايين سنويا في مصر ، فهناك ضريح الشبلي يستقبل جمهورا غفيرا من الحجاج ، وهذا ما سجله الكاتب السيد محمد فريد حيث كتب يقول : " قصة واقعية من قلب مملكه الدراويش ومن الواقع الأليم الذي تعيشه أمة المجانين حيث تقع قرية الشيخ شبل مركز المراغة محافظة سوهاج ، ماذا حدث في هذه القرية ؟ هناك من يعبد من دون الله وتقدم إليه القرابين كل عام وله سادن يقوم على خدمته وهو المدعو " أبو النعمان الشبلي " وذات يوم ترك السادن الشمعة على جسم الوثن الخشبي فتسللت النيران إلى الخشب وأصبح الإله كتلة فحم وراح الناس يشكون ويبكون ويقولون : من فعل هذه بآلهتنا ؟ ونقول لهم اسألوهم إن كانوا ينطقون . . وماذا يصنع القوم ؟ قاموا على الفور وأحضروا نجارا مازقا وصنعوا على الفور صنما " بدل تالف " وانطبق على أهالي قرية الشيخ شبل قول المولى عز وجل : { أتعبدون ما تنحتون } [ الصافات : 95 ] . " مجلة التوحيد " العدد ( 12 ) ذو الحجة ( 1411 ه - ) ( ص 47 ) .