محمد بن علي الشوكاني
340
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الجاهلية ، أو أطلق عليه اسما آخر فلا اعتبار بالاسم قط . ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم ( 1 ) . وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار ( 2 ) للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها ، واعتقاد أنها تضر وتنفع الاستغاثة بها عند الحاجة ، والتقريب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم ، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله - سبحانه - ، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبا منه ، مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت ، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله [ 21 ] ، أو في مسجد من المساجد ، أو قريبا من ذلك . وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ، ولم يحلف بالميت الذي يعتقده ، وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع ، أو استدفاعه لضر قائلا : يا فلان افعل لي كذا أو كذا ، وعلى الله وعليك ، وأنا بالله وبك ، وأما التقريب للأموات ( 3 ) فانظر ما يجعلونه من النذور لهم ، وعلى قبورهم في كثير من
--> ( 1 ) انظر " مجموع فتاوى " ( 1 / 125 - 130 ) لابن تيمية . ( 2 ) انظر " مجموع فتاوى " ( 1 / 156 - 158 ) لابن تيمية . ( 3 ) اعلم أن هذه النذور التي يقدمها المتصوفة والقبوريون لأوليائهم تتضمن من العقائد ما هو أخطر من مجرد الذبح لغير الله ، وهو اعتقادهم أن الحياة والموت بيد المنذور له وهو شرك في الربوبية . أن المسائل العقدية ليست مجالا للمجاملات - فالأمر بالمعروف وفي مقدمته الأمر بإخلاص العبادة لله - والنهي عن المنكر ، وفي مقدمته النهي عن الشرك بالله - يقتضيان من المسلم الواعي أن يقدم النصح الخالص لكل متلبس بالشرك ، خصوصا الأقارب وليعد ذلك أكبر مظهر من مظاهر صلة الرحم . أن عقيدتهم في تقديم النذور لأهل القبور - رغم ما فيها من مخاطر على دين المرء - تتضمن أيضًا المنع من الأخذ بالأسباب الشرعية في معالجة الأمراض البدنية - ليس عن طريق إساءة فهم التوكل كما قد يقع للبعض - ولكن عن طريق المعالجة بمن لم يجعل الله الشفاء في يده ، بل نهى عن قصدهم فتراهم يذبحون للضريح الفلاني وينذرون لقبر الولي الفلاني ، كما يتقربون إلى شياطين الجن والأنس ، وآخر ما يفكرون فيه هو الابتهال إلى الله واللجوء إلى الطب الشرعي وفي هذا خطر كبير على صحة الإنسان . أن القبوريين الذين صرفوا أنواع النذور من القرابين والأموال والستور والشموع والسرج للأضرحة داخلون تحت لعن الله وأفعالهم مشابهة لأفعال عباد الكنائس وبيوت الأصنام . أكل تلك الأموال حرام على سدنة القبور . النذر للأضرحة إضاعة للمال ووضع له في غير موضعه وهو وجه من أوجه التحريم . أن قبول سدنة القبور لنذور الناذرين يتضمن تدليسا قبيحا وقلبا لموازين الحق ، لأن فيه تقريرا للناذر على شركة ، ورضي بذلك الشرك وفيه إيهام له بأن المنذور له ينفعه أو يضره ، خاصة إذا كان السادن من المتظاهرين بالزهد والورع . انظر : عقيدة المسلم ( ص 77 ) و " مصرع الشرك والخرافة " ( ص 219 - 221 ) .