محمد بن علي الشوكاني

326

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الصحيح ( 1 ) عن عائشة : أن أم سلمة ذكرت لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال : " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله " . ولابن خزيمة عن مجاهد ( 2 ) : } أفرأيتم اللات والعزى { ( 3 ) قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره . وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور ، وإسبال الستور الرائعة عليها ، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيرا في طبائع غالب العوام ، ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة ، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء وبهذا السبب اعتقدت كثيرا من الطوائف الألوهية في أشخاص كثيرة . ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه قدم رسول لبعض الملوك على بعض خلفاء بني العباس ، فبالغ الخليفة في التهويل على ذلك الرسول ، وما زال أعوانه ينقلونه من رتبة إلى رتبة حتى وصل إلى المجلس الذي يقعد الخليفة في برج من أبراجه ، وقد جمل ذلك المنزل بأبهى الآلات ، وقعد فيه أبناء الخلفاء ، وأعيان الكبراء ، وأشرف الخليفة من ذلك البرج وقد انخلع قلب ذلك الرسول مما رأى ، فلما وقعت عينه على الخليفة قال لمن هو [ 13 ] قابض على يده من الأمراء : أهذا الله ؟ فقال : ذلك الأمر ، بل هذا خليفة الله . فانظر ما صنع ذلك التحسين بقلب هذا المسكين ! . وروي لنا أن بعض أهل جهة القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين - رحمه الله - فرآها وهي مسرجة بالشمع ، والبخور ينفخ في

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 427 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 16 / 528 ) وأخرجه النسائي ( 2 / 41 رقم 704 ) وأبو عوانة ( 1 / 400 - 401 ) وابن سعد في الطبقات ( 2 / 239 - 240 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في جامع البيان ( 28 / 58 ) وسنده صحيح . وأخرجه البخاري عن ابن عباس موقوفا ( 8 / 611 ) . ( 3 ) [ النجم 19 ] .