محمد بن علي الشوكاني
273
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الملك ( 1 ) والسلطان كما قاله آخرون . فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر ، والإذعان بأن الاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف ، ولا قيل ولا قال ، ولا فضول في شيء من المقال . فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف ، ولا واقف في طريق النجاة ، ولا معتصم عن الخطأ ، ولا سالك في طريق السلامة والاستقامة ( 2 ) . وكما تقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة , فكذا تقول في مثل قوله
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ( 1 / 107 ) وانظر رد ابن تيمية على ذلك في الأسماء والصفات ( 2 / 109 ) . ( 2 ) والخلاصة : إن " علو الله تعالى " ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع . أما الكتاب : فقد تنوعت دلالته على ذلك : فتارة بلفظ " العلو " و " الفوقية " و " الاستواء " على العرش " و " كونه في السماء " : قال تعالى : ( وهو العلي العظيم ) [ البقرة : 255 ] . قال تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) [ الأنعام : 18 ] . قال تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] . وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه : قال تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) [ فاطر : 10 ] . قال تعالى : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) [ المعارج : 4 ] . قال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) [ آل عمران : 55 ] . وتارة بلفظ " نزول الأشياء منه " ونحو ذلك . . . . قال تعالى : ( قل نزله روح القدس من ربك ) [ النحل : 102 ] . قال تعالى : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ) [ السجدة : 5 ] . وأما السنة : قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سجوده : " سبحان ربي الأعلى " . أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 203 / 772 ) من حديث حذيفة ، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه , إن رحمتي سبقت غضي " من حديث أبي هريرة . أخرجه البخاري رقم ( 7422 ) ومسلم رقم ( 2751 ) . وقوله : " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " وقد تقدم تخريجه . وثبت عنه أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع يده وهو على المنبر يوم الجمعة يقول : " اللهم أغثنا " . أخرجه البخاري رقم ( 1014 ) ومسلم رقم ( 8 / 897 ) . وأما العقل : فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص والعلو صفة كمال والسفل نقص فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده . وأما الفطرة : فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية : فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة ، واسأل المصلين يقول الواحد منهم في سجوده " سبحان ربي الأعلى " . وأما الإجماع : فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على : أن الله فوق سماواته مستو على عرشه . قال الأوزاعي : " كنا والتابعون متوافرون نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات " . وهو أثر صحيح . أخرجه الذهبي في العلو ( ص 138 - مختصر ) . وقال ابن تيمية في " الفتوى الحموية " ( ص 43 ) إسناده صحيح . والبيهقي في الأسماء والصفات ( ص 408 ) .