محمد بن علي الشوكاني

267

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

قرصة النملة إلى قضمة الأسد . وقد كان يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين المتكلفين كلمتان من كتاب الله عز وجل ، وصف بهما نفسه ، وأنزلهما على رسوله وهما : { ولا يحيطون به علما } ( 1 ) و { ليس كمثله شيء } ( 2 ) . فإن هاتين الكلمتين قد اشتملتا على فصل الخطاب ، وتضمنتا بما يغني أولي الألباب السالكين في تلك الشعاب والهضاب ، الصاعدين في متوعدات هاتيك العقاب ، فالكلمة منها دلت دلالة بينة على أن كل ما تكلم به البشر في ذات الله وصفاته على وجه التدقيق ، ودعاوى التحقيق فهو مشوب بشعبة من شعب الجهل ، مخلوط بخلوط هي منافية للعلم ، ومباينة له . فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علما ، فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة ، وقد نفيت عن كل فرد ؛ لأن هذه القضية هي في قوة لا يحيط به فرد من الأفراد علما . فكل قول من أقوال المتكلفين صادر عن جهل ، إما من كل وجه أو من بعض الوجوه ، وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل ، ولا سيما إذا كان في ذات الله [ 5 أ ] وصفاته ، فإن ذلك من المخاطرة في الدين ما لم يكن في غيره من المسائل ، وهذا يعلمه كل ذي علم ، ويعرفه كل عارف . ولم يحط بفائدة هذه الآية ، ويقف عندها ، ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون للصفات على ظاهرها ، المريحون أنفسهم من التكلفات والتعسفات التأويلات والتحريفات ، وهم السلف الصالح - كما عرفت - فهم الذين اعترفوا بالإحاطة ، وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله ، وقالوا : الله أعلم بكيفية ذاته وماهية صفاته ، بل العلم كله له ، وقالوا كما قال من

--> ( 1 ) [ طه : 110 ] ( 2 ) [ الشورى : 11 ]