محمد بن علي الشوكاني
265
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
نفسه إلا ما يعلمه هذا المدعي ، فهو إما مصاب العقل ، يهذي بما لا يدري ، ويتكلم بما لا يفهم ، أو كاذب شديد الكذب ، عظيم الافتراء ، فإن هذا أمر لا يعلمه غير الله - سبحانه - ، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه ، ويعلم ما توسوس به نفسه ، وما يسر عباده وما يعلنون ، وما يظهرون وما يكتمون كما أخبرنا بذلك في كتابه ( 1 ) العزيز في غير موضع . فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم ما لا يعلمه إلا الله من عباده ، فما ظنك بمن جاوز هذا وتعداه ، وأقسم بالله [ سبحانه ] أن الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو ؟ ! ولا يصح لنا أن نحمله على اختلال العقل ، فلو كان مجنونا لم يكن رأسا يقتدي بقوله جماعات من أهل عصره ، وممن جاء بعده وينقلون كلامه في الدفاتر ، ويحكون عنه في مقامات الاختلاف . ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه لو قال لهم قائل وأورد عليهم مورد قول الله - عز وجل - { ولا يحيطون به علما } ( 2 ) ، وقوله : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } ( 3 ) ، وقال لهم : هذا يرد ما قاله صاحبهم ، ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة ، لقالوا : هذا ونحوه مما يدل دلالته ، ويفيد مفاده ، هو من المتشابه
--> ( 1 ) ( منها ) : قوله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ) [ ق : 16 ] . وقوله تعالى : ( أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) [ البقرة : 77 ] . وقوله تعالى : ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) [ الأنعام : 3 ] . وقوله تعالى : ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) [ طه : 7 ] . ( 2 ) [ طه : 110 ] ( 3 ) [ البقرة : 255 ]