محمد بن علي الشوكاني
261
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
التابعون عن الصحابة ، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين . وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحددة ، والطريقة لهم جميعا متفقة ، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، وإنفاق الأموال في أنواع البر ، وطلب العلم النافع ، وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه ، والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، والقيام بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة ، وبما تبلغ إليه القدوة ، ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ، ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته . فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع ، خالصا عن شوب قذر التمذهب ، فعلى هذا النمط كان الصحابة - رضي الله عنه - والتابعون وتابعوهم ، وبهدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ 3 أ ] اهتدوا ، وبأفعاله وأقواله اقتدوا . فمن قال : إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها ، فقد أعظم عليهم الفرية ، وليس بمقبول في ذلك ، فإن أقوال الأئمة المطلعين على أحوالهم ، العارفين بها ، الآخذين عن الثقات الأثبات ، يرد عليه ، ويدفع في وجهه ، يعلم ذلك كل من له علم ، ويعرفه كل عارف . فاشدد يديك على هذا ، واعلم أنه مذهب خير القرون ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ( 1 ) ، ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات
--> ( 1 ) تقدم تخريج الحديث بذكر " القرون الثلاثة " أما زيادة قرن رابع فقد أخرجها أحمد في " المسند " ( 4 / 267 ) من طريق شيبان ، عن عاصم ، عن خيثمة والشعبي عن النعمان بن بشير فذكره . وأخرجها أحمد ( 4 / 267 ) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة ، عن خيثمة بن عبد الرحمن ، عن النعمان بن بشير ، فذكره . وأخرجها أحمد في المسند ( 4 / 277 - 278 ) من طريق أبي بكر عن عاصم ، عن خيثمة عن النعمان بن بشير ، فذكره . وأورده الهيثمي في المجمع ( 10 / 19 ) وقال : رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ، وفي طرقهم عاصم بن بهدلة وهو حسن الحديث ، وبقية رجاله رجال أحمد رجال الصحيح . اه - . وأخرجها ابن حبان في الثقات ( 8 / 1 ) من طريق حماد بن سلمة ، عن الجريري عن أبي نضرة عن عبد الله بن مولة عن بريدة الأسلمي وذكره . وقال ابن حبان : هذه الفظة : " ثم الذين يلونهم " في الرلبعة تفرد بها حماد بن سلمة وهو ثقة مأمون وزيادة الألفاظ عندنا مقبولة عن الثقات ، إذ جائز أن يحضر جماعة شيخا في سماع شيء ثم يخفى على أحدهم بعض الشيء ويحفظه من هو مثله أو دونه في الإتقان كما بيناه في غير موضع من كتبنا . اه - . والخلاصة أن الحديث صحيح بهذه الزيادة والله أعلم .