محمد بن علي الشوكاني
232
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
حدث أمر لم يحدث في زمنه ففعله الخلفاء ، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون ، وأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي ، وإن كان من سنته كما تقدم ، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل . وبالجملة فكثيرا ما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينسب الفعل أو الترك إليه وإلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه ؛ لأنه محل القدوة ومكان الأسوة ، فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث ، ولم أقف في تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم ، فإن كان صوابا [ 49 ] فمن الله ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله العظيم . البحث السادس من مباحث السؤال الثالث : قوله : فكيف إذا تعارضت عند الناظر كحديث كان الطلاق ( 1 ) على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . . إلخ . والجواب : أن هذه المسألة طويلة الذيول ، كثيرة النقول ، واسعة الأطراف ، رحبة الأكناف ، وقد أفردها جماعة بالتصنيف آخرهم رقم هذه الأحرف غفر الله له ولا بد من الإشارة إلى ما هو الحق بأخصر عبارة ، فاعلم أنه قد احتج القائلون بأن الطلاق الثلاث يكون ثلاثا دفعة واحدة ، وهم جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة ، وطائفة من أهل البيت لقوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ( 2 ) وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الاثنتين دفعة أو مفرقة ، ويجاب عنه بأنه لا دليل في الآية على ما زعموه من وقوع الثلاث دفعة ، فلم يكن في الآية إلا المرتان . وأما التسريح فهو إما يكون بعد إيقاع الطلقتين وهو أمر غير الطلقتين ، وقد قيل : إن الآية حجة عليهم لا لهم ، وإنما تدل على المنع من إيقاع الثلاث دفعة ، وهو أظهر وأوضح وعندي أن
--> ( 1 ) تقدم في الرسالة السابقة رقم ( 1 ) . ( 2 ) [ البقرة : 230 ] .