محمد بن علي الشوكاني

149

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الله ( 1 ) عنهما - ، فيقال له : هذا متفق عليه بين المسلمين من حيث الجملة أن الله لا يفعل قبيحا ، ولا يظلم أحدا ، ولكن النزاع في تفسير ذلك ، فهو إذا كان خالقا لأفعال العباد ، هل يقال إنه ما هو قبيح [ منه ] ( 2 ) وظلم ، أم لا ؟ فأهل السنة المثبتون للقدر يقولون : ليس [ هو بذلك ] ( 3 ) ظالما ولا فاعلا قبيحا ، والقدرية يقولون : لو كان خالقا لأفعال العباد كان ظالما فاعلا ما هو قبيح [ منه ] ( 4 ) ، وأما كون الفعل قبيحا من فاعله لا يقتضي أن يكون [ كذلك لخالقه ] ( 5 ) ، لأن الخالق خلقه في غيره ، لم يقم بذاته ، فالمتصف به من قام به الفعل ، لا من خلقه في غيره ، كما أنه إذا خلق لغيره لونا ، وريحا ، وحركة ، وقدرة ، وعلما كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون ، والريح ، والحركة ، والقدرة ، والعلم ، فهو المتحرك بتلك الحركة ، والمتلون بذلك اللون ، والعالم بذلك العلم ، والقادر بتلك القدرة ، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما ، أو صلاة ، أو صياما ، أو طوافا ، كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام ، وهو المصلي ، وهو الصائم ، وهو الطائف ، ولكن من قال إن الفعل هو المفعول يقول : إن أفعال العباد هي فعل الله ، فإن قال : وهو أيضا فعل لهم لزم أن يكون الفعل الواحد لفاعلين ( 6 ) ، كما يحكى عن أبي إسحاق الأسفراييني - ( 7 ) ، وإن لم يقل هو فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلا لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ( 8 ) ، ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم

--> ( 1 ) زيادة من منهاج السنة ( 2 / 294 ) . ( 2 ) زيادة من منهاج السنة ( 2 / 294 ) . ( 3 ) زيادة من منهاج السنة ( 2 / 294 ) . ( 4 ) كذا في المخطوط وصوابه [ قبيحا من خالقه ] كما في منهاج السنة ( 2 / 294 ) . ( 5 ) كذا في المخطوط وصوابه [ قبيحا من خالقه ] كما في منهاج السنة ( 2 / 294 ) . ( 6 ) معنى أن أفعال العباد تكون بفاعلين : أي أن أفعال العباد ليست بفعل لله وحده ، كما يقول به جهم والأشعري وغيرهما ، ولا بفعل للعبد وحده كما يقول المعتزلة ومن يحذو حذوهم ، بل هي فعل لله تعالى وللعبد معا فكأنهم هربوا عن الجبر وعن كون العبد خالقا لأفعاله ، إلا أنهم وقعوا في هجنة أخرى . ( 7 ) أبو إسحاق الإسفراييني هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، فقيه شافعي أصولي متكلم توفي سنة 418 ه - . طبقات الشافعية ( 3 / 111 - 114 ) شذرات الذهب ( 3 / 209 - 210 ) الأعلام للزركلي ( 1 / 59 ) . ( 8 ) سيأتي قريبا ( ص 151 ) .