محمد بن علي الشوكاني
1161
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
هكذا وقع القضاء النبوي ( 4 ) على كل متخلق هذه الأخلاق أو ببعضها من أهل
--> ( 4 ) ( منها ) ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 3493 ، 3494 ) ومسلم رقم ( 2526 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تجدون الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة وتجدون شر الناس ذا الوجهين ، الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه " . ( ومنها ) ما أحرجه البخاري رقم ( 7178 ) عن محمد بن زيد أن ناسا قالوا لجده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : إننا ندخل على سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا حرجنا من عندهم ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . خوف السلف من النفاق . قال ابن تيمية في كتاب " الإيمان " ( ص 409 ) : " الإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان ، وهو المنافق المحض ، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا ، وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق ، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان ، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب . وهؤلاء ليسوا فساقا تاركين فريضة ظاهرة ، ولا مرتكبين محرما ظاهرا ، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علما ، وعملا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم . فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق . وقال ابن القيم في مدارج السالكين ( 1 / 399 - 400 ) : تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين ، لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله ، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين . قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما " يا حذيفة ، نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم ؟ قال : لا . ولا أزكى بعدك أحدا " . وقال ابن مليكة : " أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول : إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل " ويذكر عن الحسن البصري : " ما أمنه إلا منافق وما خافه إلا مؤمن " . أحرجه البخاري تعليقا ( 1 / 109 الباب رقم 36 ) . وقال ابن القيم في مدارج السالكين ( 1 / 450 ) عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه : " اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق قيل : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاضع " . ثم قال : زرع النفاق ينبت على ساقيتيهما : ساقية الكذب ، وساقية الرياء . ومخرجهما من عينين : عين ضعف البصيرة ، وعن ضعف العزيمة . فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه ولكنه بمدارج السيول على شما جرف مار ، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر ، وكشف المستور ، وبعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب : { يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } [ النور : 39 ] .