محمد بن علي الشوكاني
1156
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بالغ الرب - سبحانه - في غيظ هؤلاء المنافقين ، ومزيد بعضهم ، وتكالبهم في العداوة للمؤمنين فقال : { وإذا خلوا ( 1 ) عضوا ( 2 ) عليكم ( 3 ) الأنامل من الغيظ } والبلوغ إلى لذا الحد لا يكون إلا لالتهاب صدورهم ، وتسعر قلوبهم ، واضطرام خواطرهم كما تراه يمن بلغ به الغيظ إلى عض أنامله ، فإنه لا يكون ذلك إلا لأمر قد فدحه ، وبلغ منه إلى لغاية التي ليس وراءها غاية ، ثم علم الله المؤمنين . مما يقولونه لهم عند ذلك ، وأمر رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يقول لهم : { موتوا ( 4 ) بغيظكم } . فانظر هذا الأدب
--> ( 1 ) أي : والمنافقون لهم وجهان : - وجه يخادعونكم له إذا لقوكم ، فإذا لقوكم قالوا لكم : آمنا معكم مثل إيمانكم ونحن نحبكم ونودكم ، لأنكم إخواننا في الدين وهم في الادعاءين كاذبون . - وجه يظهرونه إدا خلوا ، فهم إذا حلوا بأنفسهم ، أو حلا بعضهم إلى لعض كشفوا حقيقة كفرهم مما أعلنوا أمام المؤمنين أنهم آمنوا به وكشفوا ما في قلوبهم من غيظ على المؤمنين وعلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 2 ) يشير سبحانه إلى مظاهر تعبيراتهم الحركية عن غيظهم من المؤمنين ، أن يضعوا أناملهم في أفواههم ويعصوا عليها غيظا وحنقا . ( 3 ) وتدل عبارة ( عليكم ) على أنمم يشددون عضهم على أناملهم ، لأنهم يتوهمون أنهم يعضوها وأنتم فيها ، رغبة في إيلامكم ، وهم في الواقع يؤلمون أنفسهم ، وهذا غاية ي التعبير عن شدة غيظهم ، الذي غفلوا معه عر آلام أناملهم . ( 4 ) قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ( 18214 - 183 ) : قيل عنه جوابان : أحدهما - قال فيه الطبري في " جامع البيان " ( 3 ج 4 / 67 ) وكثير من المفسرين : خرج هذا الكلام مخرج الأمر ، وهو دعاء الله نبيه محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يدعو عليهم لأن يهلكهم الله كمدا مما هم من الغيظ على المؤمنين ، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم والضلالة بعد هداهم فقال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قل يا محمد . أهلكوا بغيظكم ، إن الله عليم بذات الصدور . الثاني : أن المعنى أضرهم أهم ما يؤملون ، فإن الموت دون دلك ، فعلى هدا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التفريغ والإغاظة .