محمد بن علي الشوكاني

1361

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والأحاديث النبوية ما لو جمع لكان مؤلفا مستقلا . فإن قلت : من يحق التواصي بالصبر ( 1 ) ؟ قلت : يحق إذا رأى الإنسان من أخيه جزعا من أمر قد أصابه ، أو من حاجة قد نزلت به ، أو من قريب قد فارقه أو في فراقه ، أو من عدو قد جاهره بالعداوة ، أو نحو ذلك ، فيذكر له أن هذا الجزع لا يفيد شيئا ، ولا يدفع مكروها ، ولا لرد فائتا ، وليس له فائدة إلا مجرد فوت نواب المصيبة مع ضم مصيب الجزع إلى مصيبة ما وقع الجزع لأجله ، ويبين له أن تعذيب الإنسان نفسه بالهم والغم فيما لا يمكن دفعه ، ولا يقدر العبد على استدراكه شعبة من الجنون ، وما أحسن قول الشاعر : أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب . . . كيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك يحق الصبر والصبر واجب . . . وما كان منه للضرواة أو جب وقد اتفق العقلاء جميعا مسلمهم وكافرهم على أن الجزع لأجل أمر قد فات وتعذر استدراكه قبيح عند جميع العقلاء ، لأنه تعذيب للنفس فيما لا يمكن رجوعه ، ولا يرجى إدراكه فهو مفسدة خالصة خالية عن النفع بوجه من الوجوه ، فلا فرق بينه وبن من يضرب نفسه بشيء يؤلمه ، لا لسبب يقتضى ذلك ، ولا لعلة توجبه ، بل عبثا ولعبا ، بل

--> ( 1 ) قال ابن قيم الجوزية في " مدارج السالكين " ( 2 / 178 ) : والصبر في اللغة الحبس والكف . ومنه قتل فلان صبرا ، إذا امسك وحبس . ومنه قوله تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } الكهف : [ 28 ] أي احبس نفسك معهم . فالصبر : حبس النفس عن الجزع والتسخط ، وحبس اللسان عن الشكوى ، وحبس الجوارح عن التشويش