محمد بن علي الشوكاني
1341
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
واعلم أن هذا الاستثناء ( 1 ) الواقع في الآية متصل عند كل من حمل المستثني منه على العموم ، وهو الحق . وأما من قال أن المراد به جنس الكفار ، أو كفار معينين فهو يجعله منقطعا ، والتقدير : ولكن الذين ا منوا وعملوا الصالحات . فإن قلت : ظاهر ما في هذه الآية من العموم شمولها لأهل الفترة الذين لم يبلغهم شيء من شرائع الله - سبحانه - ، لأنهم ماتوا ولم يؤمنوا ولا عملوا الصالحات . قلت : هؤلاء وإن دخلوا في عموم الإنسان فقد خرجوا بالعفو عنهم لجهلهم بالشرائع ، وعدم تمكنهم من طلبها ، ولهذا يقول الله - سبحانه - : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( 2 ) . فإن قلت : الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - منزهون عن أن ينالهم خسر لما ثبت لهم من العصمة قبل النبوة وبعده . قلت : هم أعلى طبقات العالم ، وأكرم جنى بني ادم ، وقدوة أهل الإيمان ، وأسوة الصالحين ، فكما أن أهل الإيمان خارجون من الخسر بإيمانهم فأنبياء الله خارجون عنه باصطفاء الله لهم ، مع كون أيمانهم أكمل أيمان ، وإيقانهم أشرف إيقان ، وإنما يرد هذا السؤال لو كان المستثنى داخلا فيما أسند إلى المستثنى منه ، مشاركا له فيما نسب إليه ، وليس الأمر كذلك ، فإنه إنما شاركه في كونه من أفراده ومن جملة ما يصدق عليه باعتبار العموم لا باعتبار ما نسب إليه ، ولهذا قدر الاستثناء أئمة النحو والأصول والبيان بأن معنى جاءني القوم إلا زيدا : القوم المخرج منهم زيد جاءني . وهكذا سائر التراكيب الاستثنائية ، فالتقدير فيما نحن بصدده : الإنسان المخرج منه [ 8 ب ] الذين آمنوا وعملوا الصالحات في خسر . فإن قلت : قد ذكرنا أن لله - سبحانه - أن يقسم . مما شاء من مخلوقاته ، فهل ثم نكتة في تخصيص الأقسام بالعصر في هذه السورة ؟ قلت : دكن أن تكون النكتة أن
--> ( 1 ) انظر " فتح القدير " ( 5 / 459 - 496 ) . ( 2 ) الإسراء : 15