محمد بن علي الشوكاني

1337

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بثمنه ديوان شعر ، أو لأنه حصلت له أموال فبذرها انتهى . أقول : والمناسب للمقام أن يكون الخسر الهلاك للإنسان المذكور لعدم استقامته على الدين ، وليس المراد الهلاك الدنيوي بالقتل أو نحوه ، بل المراد الهلاك الديني الموجب لمصيره إلى النار ، كما يفيد ذلك استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وأيضا المقام مقام الترهيب للعصاة ، والترغيب لأهل الإيمان والطاعات ، ومجموع ذلك يفيد أن تفسير الخسر بذهاب الدين الموجب للشقاوة الأبدية ، وهذا أولى من تفسير الخسر بالنقص ، لأن مقام الترهيب والتشديد [ 6 ب ] والمبالغة في الوعيد يقتضي الخسران التام ، وهو ذهاب الدين بالمرة ، المستلزم لهلاك صاحبه ، لا نقصه وذهاب بعضه ، وبقاء بعض . ولا يخفى أن هذه الجملة القسمية قد اشتملت على مؤكدات منها القسم ، ومنها تصوية جواب القسم بحرف التشبيه ، وله مدخلية في تأكيد ما دخل عليه من الكلام ، ثم المجيء بالجملة الأسمية ، فإنها تدل على الدوام والثبات ، ثم تحلية الإنسان باللام ( 1 ) الإستغراقية المفيدة للعموم ، ثم اللام في قوله { لفي خسر } ، ثم أبرء في الدالة على أن الخسر قد صار ظرفا له فكأنه منغمس فيه ، وهو مشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف ، فقد اشتمل هذا الكلام على جميع المؤكدات التي ذكرها أهل البيان . وكل ذلك يفيد أن لزوم هذا الخسر للإنسان ثابت لا محالة ، وأنه لا ينفك عنه بحال من الأحوال ، ولا يفارقه بوجه من الوجوه إلا إذا تخلص عنه مما تضمنه الاستثناء ( 2 ) ، فإنه يخرج به من الظلمة إلى النور ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن الهلاك إلى السلامة ، ومن العذاب إلى النعيم ، ومن أفار إلى الجشة . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، الموصول من صيغ ( 3 ) العموم كما

--> ( 1 ) انظر البحر الميحط ( 3 / 99 ) . ( 2 ) انظر : إعراب القرآن وبيانه " محيي الدين الدرويش ( 10 / 572 ) . الدر المصون ( 11 / 101 ) ( 3 ) تقدم ذكر ذلك