محمد بن علي الشوكاني
1319
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
من ألهاهم ( 1 ) التكاثر ، وانظر إلى السورة التي بعدها فإنها مختصة بالوعيد العظيم ، والترهيب الأليم للهمزة ( 2 ) اللمزة ، وهكذا سائر هذه الصور المختصرة مع قيام كل واحدة في بابها مقاما يعجز عنه البشر ، غير أنها لم تكن كهذه السورة في ذلك الحكم العام بذلك الأمر الشديد المشتمل على أبلغ تهديد ، مع أكمل توكيد ، ثم تعليق النجاة منه بذلك الأمر الذي هو لب اللباب ، وغاية طلبات أولي الألباب . وبالجملة فهو حكم بالهلاك على كل فرد من أفراد النوع إلا إذا لاحظه التوفيق بسلوك تلك الطريق ، وسلم من آفات التعويق . وسيأتيك - إن شاء الله - من البيان لهذا الشأن ما هو أعظم برهان . فإن قلت : هل يحسن منا عند الالتقاء الاقتداء بذلك السلف الصالح ؟ قلت نعم وإن لم يدل عليه دليل يخصه من المرفوع ، لكن قد ورد في عمومات الكتاب والسنة ما يدل على أنه ينبغي لكل فرد من المسلمين أن يدعو أخاه إلى أسباب الهداية ، ويزجره عن ذرائع الغواية ، ويعظه
--> ( 1 ) والمراد بالتكاثر ثلاثة أقوال : 1 / التكاثر بالأموال والأولاد . قاله الحسن . 2 / التفاخر بالقبائل والعشائر . قاله قتادة . 3 / التشاغل بالمعاش والتجارة ، قاله الضحاك . وانظر تفسير السورة في زاد المسير لابن الجوزي ( 9 / 220 - 222 ) . وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 8 / 476 ) ( 2 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 8 / 481 ) : الهماز : بالقول ، واللماز بالفعل يعني يزدري الناس وينتقص هم . قال ابن عباس " همزة لمزة : طعان معياب . قال الربيع بن أنس : الهمزة يهمزه في وجهه واللمزة من خلفه . وقال قتادة : يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه ، ويأكل لحوم الناس ، ويطعن عليهم . 1 ه - . . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يدخل الجنة قتات " . أخرجه البخاري رقم ( 6506 ) ومسلم رقم ( 105 ) من حديث حذيفة . وعن ابن عباس قال : مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقبرين فقال : " إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة . " أخرجه البخاري رقم ( 218 ) ومسلم رقم ( 292 )