محمد بن علي الشوكاني
1307
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ذلك الظن قول الزمخشري ( 1 ) ، فإن قلت : كيف عطف أمرت على أمرت ، وهما واحد ! ، انتهى . وليس مراد الزمخشري ما ظنه السائل - أطال الله بقاه - بل مراده ما أسلفنا ، إنما اختصر الكلام كما هو عادته ، وإلا فبتقدير السؤال الذي أراده الزمخشري وغيره هو أن يقال : كيف عطف الفعل الآخر على الفعل الأول ، مع أن معمولهما وهو المأمور به واحد : وهو أن أعبد الله مخلصا له الدين لما أسلفناه مع أن تعقيب الثاني بلام العفة يدل على أن المأمور به مقدر ، وهو ما دل عليه المأمور به بعد الأمر الأول ، فهو نظير كسوت زيدا حلة ، وكسوته إكراما له ، فلا يشك من نظر في هذا التركيب أن تقدير الكلام كسوت زيدا حلة وكسوت زيدا حلة إكراما . ولا شك أن الفعلين ومعمولهما في هذا التركيب متحدان ، فإذا قال القائل : اتحد المعطوف والمعطوف عليه كان الجواب أنهما اختلفا جهة ، لأن الأول مطلق ، والثاني مقيد ، بخلاف ما إذا قيل : كسوت زيدا خفة ، وكصوت عمرا جبة ؟ فهذا لا يقول قائل أنه مشكل أبدا ، لأن عطف الفعل على الفعل مع اختلاف ( 2 ) معموليهما مما لا تنكر كثرته في لغة العرب . فإذا جعلت اللام في الآية زائدة ، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فقد جعلت اللام في الآية زائدة ، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فلا يحتاج مع ذلك إلى تجشم الجواب ، باختلاف الجهة ، لأنه قد وقع الاختلاف في متعلق الفعلين كما يقال : ضربت زيدا وضربت عمرا إكراما ، فإذا قال قائل : ما المسوغ لعطف ضربت على ضربت ؟ قلنا : اختلاف المعمولين بخلاف ما إذا قال ضربت زيدا وضربت إكراما " فالمسوغ اختلاف الجهتين بالإطلاق والتقييد ، والمقام غير محتاج إلى التطويل بمثل هذا ، ولكن لما كان منشأ الإشكال هو ذلك كما فهمته من كلام السائل حسن التطويل ، وإن كان مثل السائل في قوة إدراكه وجودة عرفانه لا يحتاج إلى البعض من ذلك ، إنما لعله
--> ( 1 ) انظر : نص كلام الزمخشري وقد تقدم في بداية الرسالة . ( 2 ) انظر : الأصول في النحو لابن السراج ( 2 / 78 )