محمد بن علي الشوكاني

1119

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

{ ولنجعلك آية للناس } ( 1 ) من تبعيد التأكيد ، ولما تقرر من أن ترجيح ( 2 ) التأسيس

--> ( 1 ) قال الرازي في تفسيره ( 7 / 35 - 36 ) : أما قوله تعالى : { ولنجعلك آية للناس } فقد بيما أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق . كلن مات على الكفر الشك في قدرة الله تعالى . فإن قيل : ما فائدة الواوي قوله { ولنجعلك } قلنا : قال الفراء - في معاني القرآن ( 1 / 173 ) - دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : { وانظر إلى حمارك لنجعلك آية } كان النظر إلى الحمار شرطا ، وجعله آية جزاء وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما المال قال : { ولنجعلك آية } كان المعنى ، ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ومثله قوله تعالى : { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ، والمعنى : وليقولوا درست صرفنا الآيات . . وقال ابن جرير في " جامع البيان " ( 3 / ج 42 / 3 - 43 ) : } ولنجعلك آية للناس { ، أمتناك مائة عام ثم بعثناك ، وإنما أدخلت الواو مع اللام التي في قوله : } ولنجعلك آية للناس { ، وهو . بمعنى كي ، لأن في دخولها في كي وأخواتها دلالة على أنها شرط لفعل بعدها ، . بمعنى : ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك ، ولو لم تكن قبل اللام أعني لام كي واو كانت اللام شرطا للفعل الذي قبلها ، وكان يكون معناه : وانظر إلى حمارك ، لنجعلك آية للناس وإنما عني بقوله } ولنجعلك آية " ولنجعله حجة على من جهل قدرتي وشك في عظمتي ، وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء ، وإفناء وإنشاء ، وإنعام وإذلال ، وإقتار وإغناء بيدي ذلك كله لا يملكه أحد دوني ، ولا يقدر عليه غيري . وكان بعض أهل التأويل يقول : كان آية للناس بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده شابا وهم شيوخ . قال ابن جرير : والذي هو أولى بتأويل الآية من القول ، أن يقال : إن الله تعالى ذكره . أخبر أنه جعل الذي وصف صفته في هذه الآية حجة للناس ، فكان ذلك حجة على من عرفه من ولده وقومه ممن علم موته ، وإحياء الله إياه بعد مماته ، وعلى من بعث إليه منهم . وقال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 688 ) : { ولنجعلك آية للناس } ، أي : دليلا على المعاد . ( 2 ) قال صاحب الكوكب المنير ( 1 / 297 ) : " إذا دار اللفظ بين أن بكون مؤكدا أو مؤسسا ، فإنه يحمل على ( تأسيسه ) نحو قوله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ، من أول سورة الرحمن إلى آخرها . فإن جعل تأكيدا ، لزم تكرار التأكيد أكثر من ثلاث مرات . والعرب لا تزيد في التأكيد على ثلاث ، فيحمل في كل محل على ما تقدم ذلك التكذيب - أي على ما تقدم قبل لفظ التكذيب ، ويكون التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة ، فلا يتكرر منها لفظ ، ولا يكون كيد البتة في السورة كلها فقوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان } ، المراد آلاء خروج اللؤلؤ والمرجان خاصة . وكذلك الأمر في جميع السورة . انظر : شرح تنقيح الفصول ص 113 .