محمد بن علي الشوكاني
1271
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مطابق لا نحتاج فيه إلى التكليفات . وعلى هذا فالمراد بالإنسان ( 1 ) ولد آدم ، ومرجع الضمير لفظ الإنسان ، وليس في ذلك إشكال ، إنما الإشكال على قول من قال : إن المراد بالإنسان ادم ، فإنه إذا جعل المرجع لفظ الإنسان باعتبار شموله لآدم ولذريته كما قاله أهل القول الأول ، فلا ريب أنه يكون في الكلام استخدام ، لأنه قد أريد بلفظ الإنسان آدم وبضميره ما هو أعم منه ، أو أريد بلفظ الإنسان ادم ، وبضميره ذريته التي يصدق عليها لفظ الإنسان . والذي أوجب تفسير الإنسان بآدم كونه صرح سبحانه بأنه خلقه من طين ، وهذا الوصف لا ينطبق إلا عليه ، كما أن الخلق من نطفة لا تنطبق إلا على ذريته ، وفي هذه الآية . وقد تخلص القائلون بأن المراد بالإنسان ذرية ادم عن التصريح بكونه مخلوقا من طين بأحد الوجهين الفذين قدمنا ذكرهما ، فقائل يقول : إن لفظ الطين اسم لآدم ، وقائل يقول بالوجه المذكور بعده . وعندي أنه لو قيل : المراد بالإنسان المذكور بالآية هو النوع ( 2 ) الشامل لآدم وغيره ولا شك أنه مخلوق من طين ، أما ادم فظاهر ، وأما ذريته فلأن المخلوق من المخلوق من الشيء مخلوق من ذلك الشيء ، فكل إنسان مخلوق من الطين ، لأن فيه جزءا من أبيه الأول المخلوق من الطين حقيقة ، ويكون الضمير راجعا إلى الإنسان هذا المعنى ، أي : ثم جعلنا هذا النوع نطفة ، ولا شك أن هذه خاصة للنوع ، ولا يلزم في خاصة النوع أن
--> ( 1 ) انظر : " روح المعاني " للألوسي ( 18 / 13 ) ( 2 ) قال ابن جرير في " جامع البيان " ( 10 / ج 18 / 8 ) وأولى القولين بالصواب قول من قال : معناه : ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم وهي صفة مائه وادم هو الطين لأنه خلق منه . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لدلالة قوله : { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } ، على أن ذلك كذلك ، لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين ، إلا بعد خلقه في صلب الفحل ، ومر بعد نخوله من صلبه صار في قرار مكين ، والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته : سليله وسلالته ، لأنهما مسلولان منه