محمد بن علي الشوكاني

1206

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

للطائفتين المتقدمتين ، وإن كانت في الكفار ، فعموم الموصول صاع للاستدلال به ، وعليه فيتحصل أن الإيمان ( 1 ) قول باللسان ، وعمل بالأركان ، واعتقاد بالقلب .

--> ( 1 ) وهو تعريف أهل السنة وقد حكى غير واحد منهم الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد ( 9 / 248 ) اتباعا للنصوص القرآنية : ( منها ) : ما يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب . قال تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } [ الحجرات : 14 ] . قال تعالى : { كتب في قلوبهم الإيمان } [ المجادلة : 22 ] . وقال تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } [ المائدة : 41 ] . ( منها ) : ما يدل على أن الإيمان إقرار باللسان . قال تعالى : { قولوا ءامنا بالله ومتا أنزل إلينا } [ البقرة : 136 ] . قال تعالى : { وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } [ العنكبوت : 46 ] . ( ومنها ) : ما يدل على أن الإيمان عمل الجوارح : قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الإيمان بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " . أخرجه البخاري رقم ( 9 ) ومسلم رقم ( 35 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوفد عبد القيس : " . . . . أتدرون ما الإيمان بالله وحده " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس " . أحرجه البخاري في صحيحه رقم ( 53 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 17 ) . تنوعت عبارات السلف الصالح في تعريف الإيمان ، فتارة يقولون : هو قول وعمل ، وتارة يقولون : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، وتارة يقولون : هو قول وعمل ونية ، وتارة يقولون : قول وعمل ونية واتباع السنة . وكل هذا صحيح ، فلس بين هذا العبارات اختلاف معنوي ، كما بينه ابن تيمية في " مجموع فتاوى " - ( 7 / 170 ، 171 ، 505 ، 506 ) - فقال : إذا قالوا : قول وعمل فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعا ، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ، ونحو ذلك إذا أطلق فإن القول المطلق ، والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح ، فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين ، وهذا لا يسمى قولا إلا بالتقييد . كقوله تعالى : { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } [ الفتح : 11 ] . وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين ، التي لا يتقبلها الله ، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر . ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر ، أو خاف ذلك , فزاد الاعتقاد بالقلب ، ومن قال : قول وعمل ونية ، قال القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان ، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله باتباع السنة ، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل ، إنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال ، ولكن كان مقصودهم الرد على " المرجئة " الذين جعلوه قولا فقط . فقالوا : بل هو قول وعمل ، والذين جعلوه " أربعة أقسام " فسروا مرادهم . كما سئل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو ؟ فقال : قول وعمل ونية وسنة ، لأن الإيمان إذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق وإذا كان قولا وعملا ولية بلا سنة فهو بدعة " .