الذهبي
783
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وإيثار ، ومروءة ، وفُتُوَّة ، وتواضع ، وعدم تكلف . له أصحاب ومريدون يقتدون بآدابه وينتفعون بصُحبته فِي الدّنيا والآخرة ، ويَسَعهم بخُلُقه وسخائه ، وبسْطه ، وحِلْمه ، وماله ، وجاهه . وكان كبير القدر ، وافر الحُرمة ، له القَبول التّامّ من الخاصّ والعامّ . وله محبّة فِي القلوب ، ووقْع فِي النّفوس . قَدِمَ دمشق من الحجاز ، بعد مجاورة مدّة ، سنة تسعين ، فسمع من ابن الْبُخَارِيّ ، وابن الواسطيّ . وكان حَسَن القراءة للحديث ، فولي مشيخة الحديث بالظاهريّة والإعادة بالنّاصريّة ، وتدريس النّجيبية . ثُمَّ وُلّي خطابة البلد بعد زين الدِّين ابن المرحّل ، فكان يخطب من غير تكلّف ولا تلعثُم . ويخرج من الجمعة وعليه السّواد ، فيمشي بها ويشيّع جنازة ، أو يعود أحدًا ويعود إلى دار الخطابة . وله نوادر وسجع وحكايات حُلْوة فِي لبْسه وخطابه وخطابته وكان ظريفًا ، حُلْو المجالسة ، طيّب الأخلاق وكان الشُّجاعيّ نائب السَّلْطَنَة قائلًا به ، معظّمًا له . وكان هُوَ يمشي إليه إلى دار السّعادة . وكان بعض الزُّهّاد يُنكر ذَلِكَ عليه . ثُمَّ إنّه عُزل عن الخطابة بموفّق الدِّين ابن حُبيش الحَمَويّ ، فتألّم لذلك وترك الجهات ، وأودع بعض كُتُبه ، وكانت كثيرة جدًا ، وسار مع الركب الشاميّ سنة إحدى وتسعين فحجّ ، وسار مع حجّاج العراق إلى واسط . وكان لطيف الشكل ، صغير العمامة ، يتعانى الرداء على ظهره ، وكان قد انحنى وانتحل واندكّ من كثرة الجماع والاشتغال والمطالعة والتهجد فِي الشيخوخة . وخلّف من الكُتُب ألفين ومائتي مجلَّدة . تُوُفّي بواسط فِي بُكرة يوم الأربعاء سنة أربعٍ فِي مُستهل ذي الحجّة ، وصُلّي عليه بدمشق صلاة الغائب بعد سبعة أشهر . وسألت الشَّيْخ عليّ الواسطيّ الزَّاهد عن نسبته المصطفوي ، فقال : كان والده الشيخ محيي الدِّين الفاروثيّ يذكر أَنَّهُ رَأَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النوم ، وواخاه فلهذا كان يكتب المصطفويّ . وَحَدَّثَنَا ابن مؤمن المقرئ أنّه سمع الشَّيْخ عزَّ الدِّين لمّا قَدِمَ عليهم واسط وقيل له : كيف تركت الأرض المقدّسة وجئتَ ؟ فَقَالَ : رَأَيْت النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول لي : تحوّل إلى واسط لتموت بها وتُدفَن عند والدك .