الذهبي

711

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

قلت : واشتدّ البلاء وهلك ناس كثير فِي هذه المصادرة وافتقروا وإلى اليوم ، وبعضهم ركبه الدين ، وجبي من بعض الناس على الرؤوس والدُّور ، ثُمَّ يوم التّاسع والعشرين نوديَ فِي البلد بإطلاق الطلب وانصرفت الأعيان إلى بيوتهم . وفي سلخ الشهر كان قبجق قد سكن بدار السّعادة ، ويذهب إليها من خان الغرباء ، فرموا عليه بالمنجنيق وبالنار من القلعة ، فوقع فيها الحريق وابتُدئ يومئذٍ بحصار قلعة دمشق من داخل البلد وخارجه ، ودخل المُغْل للحصار ، وملأوا باب البريد إلى الظاهريّة إلى ناحية الخاتونيّة وحارة البلاطة ، وباتوا هناك ، وعُملت هذه الأيام المجانيق للتّتار بجامع دمشق وقُطِّعت لها الأخشاب النّفيسة من الغيظة ، وأحضرت الأعواد الكبار إلى الجامع وبات التُّرك لِحفظها ، وكُسِرت دكاكين باب البريد ونُهبت وتحوّل فِي اللّيل جميع أهل تلك النّواحي من الأسطحة وذهبت أموالهم وأقواتهم وتعثّروا وقاسوا الشّدائد ولم يبق بذاك الخطّ دَيّار من أهله ، ونُهبت دار للسُكَّر يومئذٍ وأبادتها الحرافشة . وأمّا الجيوش فدخلت القاهرة وأنفق فيهم السّلطان وشرعوا فِي شراء الخيل والعُدَد ، وغَلَت هذه الأشياء حَتَّى أُبيع الْجَوْشن الَّذِي بعشرة بمائة درهم ونحو ذَلِكَ ، وكانت نفقة عظيمة لم يُعهد مثلها ولا سيّما فِي الشاميّين ، ولعلّها تجاوزت ألف ألف دينار ، وأُزيحت عِلَل الجيش بكلّ ممكن ، واحتفل سلار لذلك واجتهد بكلّ ممكن هو وكبار الأمراء ، وبعثوا قصّادًا يكشفون لهم خبر الشَّام وبذلوا لهم ذهبًا كثيرًا ، ولزِم النّاس بيوتهم ، وخافوا من إلزام التَّتَار لهم بطمّ خندق القلعة وغير ذلك . وفي ثاني جمادي الأولى كان قد تبقّى بدير المقادسة بعض الشَّيء وبعض الحريم والرجال والقاضي الحنبلي ، فجاءته فرقة من التتار وحرروه نهبًا وسبيًا وأسروا القاضي وأخذوه عريان مكشوف الرأس ، وعملوا فِي رقبته حبلًا ، ثُمَّ هرب أهل الدَّير ودخلوا البلد مَضْرُوبينَ مَسْلوبين ، مَنْ يراهم يَبكي أكثر من بُكائهم ، ثُمَّ أدخل القاضي تقيّ الدِّين البلد وقد أُسِرَتْ بَنَاته وخلقٌ من أقاربه ،