جلال الدين السيوطي

118

الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع

أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه . ولهذا تجد أقواماً كثيرة من الضالين يتضرعون عند قبر الصالحين ، ويخشعون ، ويتذللون ، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله المساجد ، بل ولا في الاسحار بين يدي الله تعالى ، ويرجون من الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال . فهذه المفسدة هي التي حسم النبي ( مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة ولا ذلك المكان سداً للذريعة إلى تلك المفسدة التي من أجلها عبدت الأوثان . فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها ، أو الدعاء لنفسه في مهماته وحوائجه متبركاً بها راجياً للإجابة عندها ، فهذا عين المحادّة لله ولرسوله ، والمخالفة لدينه وشرعه ، وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه . فإن قصد القبور للدعاء رجاء الإجابة فمنهي عنه ، وهو إلى التحريم أقرب . والصحابة رضي الله عنهم - وقد أجدبوا مراتٍ - ودهمتهم نوائب بعد موته ( ، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي ( وهو أكرم الخلق على الله عز وجل ، بل خرج فيهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس عم النبي ( إلى المصلى فاستسقى به ، ولم يستسقوا عند قبر النبي ( . فاقتد أيها المسلم إن كنت عبد الله بسلفك الصالح ، وتحقق التوحيد الخالص ؛ فلا تعبد إلا الله ، ولا تشرك بربك أحداً ،