الذهبي
994
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الثّناء عَلَيْهِ ، ويصِفُونَه بالحِفْظ ، والإتقان ، والدّيانة ، والمحافظة عَلَى السُّنَن ، والنوافل . وسمعت جماعة من شيوخي يذكرون أنّ ابن ناصر ، وأبا منصور ابن الجواليقيّ كَانَا يقرآن الأدب عَلَى أَبِي زكريّا التبريزي ، ويسمعان الحديث ، فكان الناس يقولون : يخرج ابن ناصر لغويَّ بغداد ، وابنُ الْجَوَاليقيّ مُحَدِّثَها ، فانعكس الأمر . قلت : قد كَانَ ابن ناصر مُبَرزًا في اللّغة أيضًا . وقال ابن النّجّار : قرأت بخطّ ابن ناصر ، وأخبرنيه يحيى بْن الحسين عَنْهُ سماعًا من لفظه ، قَالَ : بقيت سِنين لا أدخل مسجد الشّيخ أَبِي منصور ، يعني الخيّاط المقرئ ، واشتغلت بالأدب عَلَى أَبِي زكريّا التّبْرِيزيّ ، فجئت في بعض الأيّام لأقرأ عَلَى أَبِي منصور الحديث ، فقال : يا بُنيّ ، تركت قراءة القرآن ، واشتغلت بغيره ، عدْ إلينا لتقرأ عليَّ ، ويكون لك إسْناد ، ففعلت وعُدْت إلى المسجد ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، وكنت أقرأ عَلَيْهِ ، وأسمع منه الحديث ، وكنت أقول في أكثر وقتي : اللَّهُمَّ بَيِّن لي أيَّ المذاهب خير ، وكنت مِرارًا قد مضيت لأقرأ عَلَى القَيْروانيّ المتكلّم كتاب التّمهيد للباقِلّانيّ ، وكأنّ إنسانًا يردّني عَنْ ذَلكَ ، حتّى كَانَ في بعض اللّيالي رأيتُ في المنام كأنّي قد دخلت إلى المسجد إلى عند شيخنا أَبِي منصور ، وهو قاعد في زاويته ، وبجَنْبِه رجلٌ عَلَيْهِ ثيابُ بياضٍ ، ورداء عَلَى عِمامته يشبه الثّياب الرّيفيَّة ، درّيُّ اللّون ، وعليه نورٌ وبَهاء ، فسلّمت ، وجلست بين أيديهما ، ووقع في نفسي لَهُ هيبةٌ ، وأنّه رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا جلست التفتَ إليَّ الرجل ، فقال لي : عليك بمذهب هذا الشّيخ ، عليك بمذهب هذا الشّيخ ، عليك بمذهب هذا الشيخ ، ثلاث مرات ، فانتبهت مرعوبًا ، وجسمي يرجف ويرعد ، فقصصت ذَلكَ عَلَى والدتي ، وبكّرت إلى الشّيخ لأقرأ عَلَيْهِ ، فحكَيْتُ لَهُ ذَلكَ ، وقصصت عَلَيْهِ الرؤيا ، فقال لي : يا ولدي ، ما مذهب الشّافعي الّذي هُوَ مذهبك إلّا حَسَن ، ولا أقول لك اتْرُكْ مذهبك ، ولكن لا تعتقد اعتقاد الأشْعريّ ، فقلت : ما أريد أن أكون نصفين ، فإنا أشهدُك وأُشْهِد الجماعةَ أنّني منذ اليوم عَلَى مذهب أحمد بْن حنبل في الأُصُول والفُروع ، فقال لي : وفَّقك اللَّه ، ثمّ أخذت من ذَلكَ الوقت في سماع كُتُب أحمد بْن حنبل ومسائله ، والتَّفَقُّه عَلَى مذهبه ، وسماع مُسْنَدِه ، وذلك في رمضان من سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة .