الذهبي

992

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

من أهل السُّنَّة ، لا مَغْمَزَ فيه ، وهو الَّذِي تولّى تسميعي الحديث ، فسمعت بقراءته " المُسند " للإمام أحمد ، وغيره من الكُتُب الكبار والأجزاء ، وكان يُثَبّت لي ما أسمع ، وعنه أخذت علم الحديث ، وكان كثير الذِّكر ، سريع الدمعة ، ذكره ابن السّمعانيّ في " المُذَيَّل " ، فقال : كَانَ يحبّ أن يقع في النّاس . قَالَ ابن الْجَوْزيّ : وهذا قبيحٌ من أَبِي سعد ، فإنّ صاحب الحديث ما يزال يجرّح ويعدّل ، فإذا قال قائل : إن هذا وقوعٌ في الناس دلّ عَلَى أنّه لَيْسَ بمحدِّث ، ولا يعرف الجرحَ من الغَيْبة . ومُذَيَّل ابن السّمعانيّ ما سمّاه إلّا ابن ناصر ، ولا دلّه عَلَى أحوال الشّيوخ أحدٌ مثل ابن ناصر ، وقد احتجّ بكلامه في أكثر التّراجم ، فكيف عوَّل عَلَيْهِ في الْجَرْح والتّعديل ، ثمّ طعن فيه ؟ ولكنّ هذا منسوبٌ إلى تعصُّبُ ابن السّمعانيّ عَلَى أصحاب أحمد ، ومن طالَعَ كتابه رَأَى تعصُّبه البارد وسوء قَصْده ، ولا جَرَم لم يمتّع بما سمع ، ولا بلغ مرتبة الرواية . قلت : يا أبا الفَرَج ، لا تنهَ عَنْ خُلق وتأتي مثله ، فإن عليك في هذا الفصل مؤاخذات عديدة ، منها أنّ أبا سعد لم يقُلْ شيئًا في تجريحه وتعديله ، وإنّما قَال : إنه يتكلم في أعراض الناس ، ومن جرّح وعدّل لم يسمَّ في عرف أهل الحديث أنه يتكلم في النّاس ، بل قَالَ ما يجب عَلَيْهِ ، والرجل فقد قال في ابن ناصر عبارتك بعينها الّتي سَرَقْتَها منه وصَبَغْتَه بها ، بل وعامَّة ما في كتابك " المنتظم " من سنة نيّفٍ وستين وأربعمائة إلى وقتنا هذا مِن التّراجم ، إنّما أَخَذْتَهُ من " ذيل " الرجل ، ثم أنت تتفاخم عليه وتتفاجج ، ومَن نظر في كلام ابن ناصر في الجرح والتعديل أيضًا عرف عترسته وتعسّفه بعض الأوقات . ثمّ تَقُولُ : فإذا قَالَ قائل : إن هذا وقوع في الناس دل على أنه ليس بمحدث ، ولا يعرف الجرح من الغَيْبة ، فالرجل قَالَ قوله ، وما تعرّض لا إلى جرح ولا غيبة حتى تلزمه بشيء ما قاله ، وقد علم العالمون بالحديث أنّه أعلم منك بالحديث ، والطُّرق ، والرجال ، والتّاريخ ، وما أنت وهو بسواء . وأين من أفنى عُمره في الرحلة والفنّ خاصَّة ، وسمع من أربعة آلاف شيخ ، ودخل الشّام ، والحجاز ، والعراق ، والجبال ، وخُراسان ، وما وراء النّهر ، وسمع في أكثر من