الذهبي
952
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
الجماعة : حماري يحتاج إلى رَسَن ، بِكَمْ رسَنَ ؟ قالوا : بأربعة فلوس ، فقال لواحد ، وأشار إلى موضع في الحائط : فإنّي جُزت ههنا وقتًا ، وخبّأت ثم أربع فلوس ، اشتروا لي بها حبلًا ، فأخذ الرجل الأربع فلوس ، ثمّ قَالَ : أريد أن تشتري لي بدينار سمك ، قلت لَهُ : كرامة ، ومن أين لك ذهب ؟ قَالَ : بلى ، معي ذهب كثير ، قلت : الذهب يكون أحمر ، قال : أحمر ، قال : أبصِر تحت الحشيش ، فإنّي أظنّ أنّ لي فيه دينارًا ، وكان ثمَّ حشيش ، فنحّيت الحشيشَ ، فخرج دينار وازن ، فاشتريت لَهُ بِهِ سَمَكًا ، فنظّفه بيده ، وشواه ، ثمّ قلاه ، ثمّ أخرج منه الجلْد والعَظْم ، وجعله أقراصًا ، وجفّفه ، وتركه في الجُراب ، ومضى ، وكان قُوتُه مِن ذا ، وله كذا وكذا سنة ما أكل الخبز ، وكان يسكن جبال الشّام ، ويأكل البلُّوط والخرنوب . قَالَ : وقرأت بخطّ أَبِي الحَجّاج يوسف بْن محمد بْن مُقَلّد الدّمشقيّ أنّه سَمِعَ من الشّيخ أَبِي الحسين أبياتًا من الشِّعْر بمسجد باب الفراديس ، ثمّ قَالَ : وهذا الشّيخ عظيم الشّأن ، يقعد نحو خمسة عشر يومًا لا يأكل إلّا أكلةً واحدة ، وأنّه يتقوّت من الخرنوب البرّيّ ، وأنّه يجفِّف السّمك ويدقّه ، ويَسْتَفُّه . وحدَّثني الإمام يوسف ابن الشّيخ أَبِي الحسين الزّاهد المقدسيّ أنّ رجلًا كَانَ مَعَ الشّيخ ، فرأى معه صُرَّة يَسْتَفُّ منها ، فمضى الشّيخ يومًا وتركها ، فأبصر الرجل ما فيها ، فإذا فيها شيء مرّ ، فتركها ، فجاء الشّيخ ، فقال لَهُ : يا شيخ ، ما في هذه الصرَّة ؟ فأخذ منها كَفًّا وقال : كُل ، قَالَ : فأكلته ، فإذا هُوَ سُكّر مَلْتُوت بقلب لوز . وأخبرنا أبو المظفّر ابن السّمعانيّ ، عَنْ والده ، قَالَ : سمعتُ الشّيخ عبد الواحد بن عبد الملك الزاهد بالكرج يَقُولُ : سمعتُ أبا الحسين المقدسيّ ، وكان صاحب آيات وكرامات عجيبة ، وكان طاف الدّنيا ، يَقُولُ : رَأَيْت أعْجميًا بخُراسان يتكلَّم في الوعظ بكلامٍ حَسَن ، قلت : في أيّها رَأَيْت ؟ قَالَ : في مَرْو ، واسمه يوسف ، يعني يوسف بْن أيّوب الزّاهد ، قَالَ عبد الواحد : ورأيته في غير الموسم ، يعني أبا الحسين ، بمكَّة مرّات ، فسلّمت عَلَيْهِ ، فعرفني وسألني ، فقلت لَهُ : أيْش هذه الحالة ؟ فقال : اجتزت ههنا ، فأردت أن أطوف وأزور .