الذهبي
774
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
السلطنة ، وهو في غاية الإهنة بين الغُزّ ، ولقد أراد يومًا أن يركب ، فلم يجد من يحمل سلاحه ، فشدّه عَلَى وسَطَه ، وإذا قُدّم إِلَيْهِ الطّعام خبّأ منه شيئًا لوقتٍ آخر ، خوفًا من انقطاعه عَنْهُ . وفيها كانت وقعة بين شملة التُّركمانيّ وبين عسكر الخليفة ، فهزموه وتبِعوه ، ثمّ خرج لهم كمينٌ فهزمهم ، ثمّ أذعن بطاعة الخليفة ، وأطلق الأسرى . وفيها سار المقتفي إلى الكوفة ، واجتاز في سوقها ، ودخل جامعها . وفي أوّلها سار الصّالح طلائع بْن رُزّيك من الصّعيد عَلَى قصْد القاهرة للانتقام من عبّاس صاحب مصر الّذي قتل الظّافر بالله ، فلما سمع بمجيئه عباس خرج من مصر لقلَّة مَن بقي معه مِن الْجَنْد ، وسار نحو الشّام بما معه من الأموال والتُّحف الّتي لا تُحصى ، لأنّه كان استولى عَلَى القصر ، وتحكّم في ذخائره ونفائسه ، فخرجت عَلَيْهِ الفرنج من عسقلان ، فقاتلوه وقتلوه ، واستولوا عَلَى جميع ما معه ، وأسروا ابنه نصرًا ، وباعوه للمصريين . وأمّا طلائع فدخل القاهرة بأعلام مسوّدة ، وثياب سود في هيئة الحزْن ، وعلى الرّماح شعور النّساء مقطّعة حزْنًا عَلَى الظّافر ، ثمّ نبش الظّافر من دار عبّاس ، ونقله إلى مقبرة آبائه . وجاءت مراكب الفرنج من صَقَلِّية ، فأرسَوا عَلَى تِنِّيس وهجموها ، فقتلوا وأسروا ، وردّوا بالغنائم ، وخاف أهل مصر من استيلاء الفرنج ، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون ، حتّى عزم ابن رُزّيك وزيرُها عَلَى موادعة الفرنج بمالٍ يُحمل إِلَيْهِ من الخزانة ، فأنكر ذلك الأمراء ، وعزموا على عزله . وأمّا المقتفي لأمر اللَّه ، فإنّه عظُم سلطانه ، واشتدّت شوكته ، واستظهر عَلَى المخالفين ، وأجمع عَلَى قصد الجهات المخالفة لأمره . وأمّا نور الدّين ، فإنّه سار بجيشه ، فملك عدَّة قلاع وحصون بالسّيف وبالأمان من بلاد الروم ، من نواحي قونية ، وعظُمت ممالكه وبعُد صيته ، وبعث إليه المقتفي تقليدًا ، وأمره بالمسير إلى مصر ، ولُقِّب بالملك العادل .