الذهبي

770

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

العسكر ، وأكثروا القتل في الهنود ، ولم ينج منهم إلّا من عجز المسلمون عَنْهُ ، وقُتلت ملكتهم ، وتمكّن شهاب الدّين من بلاد الهند ، والتزموا لَهُ بحمل الأموال وصالحوه ، وأقطع مملوكه قُطْب الدّين أَيْبَك مدينة دهلي ، وهي كرسيّ مملكة الهند ، وجهّز جيشًا ، فافتتحوا مواضع ما وصل إليها مسلم قبله ، حتى قاربوا جهة الصين . وفي صفر توجّه صاحب دمشق مُجير الدّين ، ومعه مؤيَّد الدين الوزير ، فنازل بصرى لمخالفته له ولجوره عَلَى أهل النّاحية ، وسلّم إِلَيْهِ مجاهد الدّين مفاتيح صَرْخَد ، فأعطاه جملةً ، ثمّ صالحه سرخَاك نائب بُصرى . وجاءت الأخبار بأنّ نور الدّين يجمع الجيوش للغزو ، وليكشف عَنْ أهل عسقلان ، فإنّ الفرنج نزلوا عليها في جمْعٍ عظيم ، فتوجّه مُجير الدّين صاحب دمشق إلى خدمة نور الدّين ، واجتمع بِهِ في أمر الجهاد ، وساروا إلى بانياس ، فبلغهم أخُذُ عسقلان وتخاذُل أهلها واختلافهم . ومرّ من شرح حال الرئيس وتمكَنه من وزارة دمشق ، فعرض الآن بينه وبين أخويه عزّ الدّولة وزين الدولة مشاحنات وشرّ أفضت إلى اجتماعهما بمجير الدين صاحب دمشق ، فأنفذ يستدعي الرئيس للإصلاح بينهم ، فامتنع ، فآلت الحال إلى أن تمكّن زين الدّولة منه بإعانة مُجير الدّين عَلَيْهِ ، فتقرّر بينهما إخراج الرئيس من دمشق ، وجماعته إلى قلعة صَرْخد مَعَ مجاهد الدّين بُزان ، وتقلّد زين الدّولة الوزارة ، فلم يلبث إلّا أشهرًا ، فظلم فيها وعسف ، إلى أن ضرب عنقَه مجيرُ الدّين ، وردّ أمرَ الرياسة والنّظر في البلد إلى الرئيس رضيّ الدّين أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي ، فاستبشر الناس قاطبةً . وكان الغلاء بدمشق شديدا ، بلغت الغرارة خمسة وعشرين دينارًا ، ومات الفقراء عَلَى الطُّرُق ، فعزم نور الدّين عَلَى منازلتها ، وطمع لهذه الحال في تملّكها . وأمّا رضِيّ الدّين التّميميّ ، فإنّه طُلب إلى القلعة ، وشُرّف بالخِلع المكملة ، والمركوب بالسّخت ، والسّيف المحلّى ، والتَّرس ، وركب معه الخواصّ إلى داره ، وكُتب لَهُ التّقليد ، ولُقِّب بالرئيس الأجل ، وجيه الدولة ، شرف الرؤساء . ونفذ مجير الدّين إلى بَعْلَبَكّ ، فاعتقل وقيَّد متولّيها عطاء الخادم ، وكان جبّارًا ، ظالمًا ، غشومًا ، فسُرَّت بمصرعه النفوس ، ونُهبت حواصله ، ثم ضُربت عنقه .