الذهبي
754
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وعظُم البلاء بهم في هذا العام حتّى أكل بعضهم بعضًا . وفيها تزوّج الملك نور الدّين بالخاتون ابْنَة الأتابك معين الدّين أُنُر ، وأُرسلت إِلَيْهِ إلى حلب . - سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فيها جاءت من الفرنج ثلاثة ملوك إلى بيت المقدس ، وصلوا صلاة الموت ، وردوا إلى عكا ، وفرّقوا في العساكر سبعمائة ألف دينار ، وعزموا عَلَى قصد الإسلام ، وظنّ أهل دمشق أنّهم يقصدون قلعتين بقرب دمشق ، فلم يشعروا بهم في سادس ربيع الأوّل إلّا وقد صبّحوا دمشق في عشرة آلاف فارس ، وستّين ألف راجل ، فخرج المسلمون فقاتلوا ، فكانت الرَّجّالة الّذين برزوا لقتالهم مائةً وثلاثين ألفًا ، والخيّالة طائفةً كبيرة ، فقُتل في سبيل اللَّه نحو المائتين ، منهم الفقيه يوسف الفنْدلاويّ ، والزّاهد عبد الرحمن الحلْحُوليّ ، فلمّا كَانَ في اليوم الثّاني ، خرجوا أيضًا ، واستُشْهِد جماعة ، وقتلوا من الفرنج ما لا يُحصى ، فلمّا كَانَ في اليوم الخامس ، وصل غازي بْن أتابك زنْكي في عشرين ألف فارس ، ووصل أخوه نور الدّين محمود إلى حماه رديفًا لَهُ ، وكان في دمشق البكاء والتّضرُّع وفرْش الرّماد أيّامًا ، وأُخرج مُصحف عثمان إلى وسط الجامع ، وضجّ النساء والأطفال مكشّفين الرؤوس ، فأغاثهم اللَّه . وكان مَعَ الفرنج قِسّيس ذو لحية بيضاء ، فركب حمارًا ، وعلّق في حلقه الصليب ، وفي يديه صليبين ، وقال للفرنج : أَنَا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق ، ولا يردّني أحد ، فاجتمعوا حوله ، وأقبل يريد البلد ، فلمّا رآه المسلمون صدقت نيّتُهم ، وحملوا عَلَيْهِ ، فقتلوه ، وقتلوا الحمار ، وأحرقوا الصّلْبان ، وجاءت النّجدة المذكورة ، فهزم الله الفرنج ، وقُتل منهم خلق . قَالَ ابن الأثير : سار ملك الألمان من بلاده في خلْقٍ كثير ، عازمًا عَلَى قصد الإسلام ، واجتمعت معه فرنج الشّام ، وسار إلى دمشق ، وبها مجير الدين أبَق بن محمد بن بُوري ، وأتابكه معين الدّين أُنُر ، وهو الكُلّ ، وكان عادلًا ، عاقِلًا ، خيّرًا ، استنجد بأولاد زنكي فنجدوه ، ورتّب أمور البلد ، وخرج بالنّاس