الذهبي
695
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
ورد بغداد سنة خمس عشرة ، وظهر له القبول التّامّ ، بين الخاصّ والعامّ ، وكان يتكلَّم على مذهب الأشعريّ ، فثار عليه الحنابلة ، ووقعت فِتَن ، فأمر المسترشد بإخراجه ، فخرج إلى أن ولي المقتفيّ ، فعاد واستوطن بغداد ، فلم يزل يعظ ويظهر مذهب الأشعري إلى أن عادت الفتن على حالها ، فأخرج من بغداد إلى بلده ، فأدركه أجله . ثمّ قال ابن النّجّار : قرأت في كتاب أبي بكر المارِسْتانيّ : حدَّثني أبو الفتح مسعود بن محمد بن ماشاذَة ، قال : قال لي الحافظ ابن ناصر : أحبّ أن تسأل أبا الفتوح : هل القرآن الّذي تكلَّم الله به بحرفٍ وصوت ؟ فأتيت الشيخ أبا الفتوح ، وحكيت له قول ابن ناصر ، فقال لي : سلّم على الحافظ أبي الفضل عنّي ، وقل له : القرآن بحرف يُكتب ، وبصوت يُسمع ، فعدت إلى ابن ناصر ، فصلّيت خلفه المغرب ، وحدَّثته بالجواب ، فحلف أن لَا يمشي إليه إلّا حافيًا ، وخرج وأنا معه ، فسبقته إليه وحدّثته ، فقال : وأنا والله لَا أخرج لتلقِّيه إلّا حافيًا إجلالًا لمجيئه ، وخرج من الرّباط ، وقطع درب زاخي ، فتلاقيا حافيَيْن ، فاعتنقا ، وقبّل كلٌّ منهما صاحبه ، وتحادثا ساعة . قلت : فرحُ ابن ناصر ما له معنى ، وعسى خيره لأنه غالطه في الجواب ، كما خبط هو في السّؤال ، وقال أبو القاسم ابن عساكر : أبو الفتوح أجرأ من رأيته لسانًا وجَنَانًا ، وأكثرهم فيما يورد إعرابًا وإحسانًا ، وأسرعهم جوابًا ، وأسلسهم خطابًا ، مع ما رُزق بعد صحَّة العقيدة من السّجايا الكريمة ، والخصال الحميدة ، من قلَّة المراعاة ، لأبناء الدنيا ، وعدم المبالاة بذوي الرتبة العليا ، والإقبال على إرشاد الخلْق ، وبذْل النَّفس في نصرة الحق ، إلى أن قال : فمات مبطونا غريبًا شهيدًا ، وقد كنت لازمت حضور مجلسه ببغداد ، فما رأيت مثله واعظًا ولا مذكرًا . وقال ابن النّجّار : قرأت في كتاب أبي بكر المارستانيّ : حدَّثني قاضي القُضاة أبو طالب ابن الحديثيّ ، قال : كنت جالسًا ، فمرّ أبو الفتوح الإسفراييني ، وحوله جمٌّ غفير من عصبيته ، وفيهم من يصيح ويقول : لا بحرف ولا بصوت بل هي عبارة عن ذاك ، فرجمه العوامّ ، ورُجِم أصحابُه ، حتّى لم