الذهبي

644

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ذكره ابن السّمعانيّ ، وقال : هو الإمام الورع ، التّقّي ، النّاسك ، العامل بعلمه ، والقائم بحقّه ، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة ، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين ، واجتمع في رباطة جماعة من المنقطعين إلى الله ، ما لا يتصور أنّ يكون في غيره من الرُّبُط مثلهم ، وكان من صِغره إلى كبره على طريقة مَرْضيَّة ، وسدادٍ ، واستقامة ، خرج من قريته إلى بغداد ، وقصد الشَيخ أبا إسحاق ، وتفقه عليه ، ولازمه مدَّة ، حتّى برع في الفقه ، وفاق أقرانه ، خصوصًا في علم النَّظَر ، وكان أبو إسحاق يقدّمه على جماعةٍ كثيرة من أصحابه ، مع صِغَر سنّهِ ، لمعرفته بزُهده ، وحُسْن سيرته ، واشتغاله بنفسه ، ثمّ ترك كلّ ما كان فيه من المناظرة ، وخلا بنفسه ، واشتغل بعبادة الله ، ودعوة الخلْق إليها وإرشاد الأصحاب إلى الطّريق المستقيم . وسمع من شيخه : أبي إسحاق ، وأبي الحسين ابن المهتديّ بالله ، وأبي بكر الخطيب ، وأبي جعفر ابن المسلمة ، وعبد الصمد ابن المأمون ، والصريفيني ، وابن النقور ، وببخارى من أبي الخطّاب محمد بن إبراهيم الطَّبريّ ؛ وبسمَرَقَنْد من : أبي بكر أحمد بن محمد بن الفضل الفارسيّ ، وبأصبهان من : حمْد بن أحمد بن ولكيز ، وغانم بن محمد بن عبد الواحد الحافظ ، وآخرين . وكتب الكثير ، غير أنّ أجزاءه تفرقت بين كتبه ، وما كان يتفرغ إلى إخراجها ، فأخرج لنا أكثر من عشرين جزءًا ، فسمعناها . وقد دخل بغداد سنة ستٍ وخمسمائة ، ووعظ بها ، وظهر له قبولٌ تامّ ، وازدحم النّاس عليه ، ثمّ رجع وسكن مَرْو ، وخرج إلى هَرَاة ، وأقام بها مدَّة ، ثمّ طُلِب منه الرجوع إلى مَرْو ، فرجع ، ثمّ خرج ثانيًا إلى هَرَاة ، ثمّ رجع إلى هَرَاة ، ثمّ خرج من هَرَاة فأدركه الأجَل بين هَرَاة وبَغْشُور . وكان يقول : دخلت جبل زَزْ لزيارة الشَيخ عبد الله الْجَوِّي ، وكان قد أقام عنده مدَّة ، ولبس من يده الخِرْقة ، قال : فوجدت ذلك الجبل معمورًا بأولياء الله ، كثير المياه والأشجار ، وعلى رأس كلّ عينٍ رجلٌ مشتغل بنفسه ، صاحب مقامٍ ومجاهدة ، فكنت أدور عليهم وأزورهم ، ولا أعلم في ذلك الجبل حجرًا