الذهبي
641
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وقال ابن الجوزيّ : ذكر لنا القاضي أبو بكر أنّ مَنجِّمَيْن حَضَرا حين وُلد ، فاجمعا أن العمر اثنتان وخمسون سنة ، قال : وها أنا قد جاوزت التّسعين ! قال ابن الجوزي : وكان حَسَن الصورة ، حُلْو المنطق ، مليح المعاشرة ، كان يصلي في جامع المنصور ، فيجيء في بعض الأيّام فيقف وراء مجلسي وأنا على منبر الوعظ ، فيسلِّم عليّ ، واستملى عليه شيخنا ابن ناصر بجامع القصر ، وقرأت عليه الكثير ، وكان ثقة ، فَهِمًا ، ثَبْتًا ، حُجَّة ، متفنّنًا في علومٍ كثيرة ، منفردًا في عِلم الفرائض ، قال لي يومًا : صلّيت الجمعة وجلست أنظر إلى النّاس ، فما رأيت أحدًا أشتهي أنّ أكون مثله ، وكان قد سافر فوقع في أسر الرّوم ، وبقي سنةً ونصفًا ، وقيّدوه وغَلُّوه ، وأرادوه أنّ ينطق بكلمة الكُفر ، فلم يفعل ، وتعلَّم منهم الخطّ الرّوميّ ، وسمعته يقول : من خَدَم المحابر خَدَمته المنابر ، وسمعته يقول : يجب على المعلّم أنّ لَا يعنف ، وعلى المتعلم أنّ لَا يأنف ، ورأيته بعد ثلاثٍ وتسعين سنة صحيح الحواس ، لم يتغير منها شيء ، ثابت العقل ، يقرأ الخطّ الدّقيق من بُعْد ، ودخلنا عليه قبل موته بمُديدة فقال : نزلت في أُذني مادة ، فقرأ علينا من حديثه ، وبقي على هذا نحوًا من شهرين ، ثمّ زال ذلك ، وعاد إلى الصّحَّة ، ثمّ مرض فأوصي أنّ يُعَمّق قبره زيادةً على العادة ، وأن يُكتب على قبره : " قُلْ هُوَ نبأٌ عظيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ " ، وبقي ثلاثة أيام لا يفتر من قراءة القرآن ، إلى أنْ تُوُفّي قبل الظُهر ثاني رجب . وقال ابن السّمعانيّ : ما رأيت أجمع للفنون منه ، نَظَر في كلّ علم ، فبرع في الحساب والفرائض ، وسمعته يقول : تبت من كلّ عِلْم تعلَّمته إلّا الحديث وعِلْمه ، ورأيته وما تغير من حواسه شيء ، وكان يقرأ الخط البعيد الدّقيق ، وكان سريع النَّسخ ، حَسَن القراءة للحديث ، وكان يشتغل بمطالعة الأجزاء الّتي معي ، وأنا مُكِبُّ على القراءة ، فاتفق أنه وجد جزءًا من حديث أبي الفضل الخُزاعيّ ، قرأته بالكوفة على الشّريف عمر بن إبراهيم الحُسينيّ ، بإجازته من محمد بْن عليّ بْن عَبْد الرَّحْمَن العَلَويّ ، وفيه حكايات مليحة فقال : اتركه