الذهبي
430
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وقال أحمد بن صالح الجيليّ : سمع من أبي الفضل بن خَيْرُون ، وكان يتكلَّم على آفات الأعمال في المعاملات ، والرياضات ، والورع ، والإخلاص . وقد جاهد نفسه بأنواع المجاهدات ، وزاول أكثر المِهَن والصّنائع في طلب الحلال ، وكان كأنه مسلوب الاختيار ، مكاشفًا بأكثر الأحوال . ومن كلام الشَيخ حمّاد : إذا أحبّ الله عبدًا أكثر همّه فيما فَرَّط ، وإذا أبغض عبدًا أكثر همّه فيما قَسَمه له ، ووعده به ، العلم محجةٌ ، فإذا طلبته لغير الله صار حُجَّة . وقال أبو سعد السّمعانيّ : سمعت أبا نصر عبد الواحد بن عبد الملك يقول : كان الشَيخ حمّاد يأكل من النَّذْر ، ثمّ تركه لما بلغه قوله عليه السلام : " إنه يستخرج به من البخيل " ، فكره أكْلَ مال البخيل ، وصار يأكل بالمنام ، كان الإنسان يرى في النّوم أنّ قائلًا يقول له : أعط حمّادًا كذا فيصبح ويحمل ذلك إلى الشَيخ . وقال الشَيخ أبو النّجيب عبد القاهر : مرض الشَيخ حمّاد ، فاحتاج إلى التَّنَشُّق بماء ورد ، فحمل له أبو المظفر محمد بن عليّ الشّهْرُزُورِيّ الفَرَضيّ منه شيئًا ، فلما وضع بين يديه قال : رُدّوه فإنه نجِس ، فردّوه إلى أبي المُظَفَّر فقال : صدق الشيخ ، كان وقع في طرفه نجاسة وتركته وحده لأريقه ، فنسيت . وقال المبارك بن كامل : مات الشَيخ العارف الورع الناطق بالحكمة حمّاد الدّبّاس في سنة خمس ، ولم أرَ في زماني مثله صحِبْتُه سنين وسمعت كلامه . وكان مكاشَفًا يتكلَّم على الخواطر ، مسلوب الاختيار ، زِيّه زي الأغنياء ، وتارة زَيّه زِيّ الفقراء متلوّن ، كيف أُدير دار ، وكان شيخ وقته ، يشبه كلامه كلام الحصريّ ، كانت المشايخ إذا جاءت إليه كالميت بين يدي الغاسل ، لَا يتجاسر الشّخص أن يختلج . وقال ابن الجوزي قابله الله : كان حمّاد الدّبَاس على طريقة التّصوّف ، يدّعي المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن ، وكان عاريًا عن علم الشَّرْع فلم ينفق إلّا على الْجُهّال ، وكان ابن عَقِيل ينفّر النّاس عنه ، حتى بلغه عنه أنه يعطي