الذهبي

420

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وأربعمائة فارس ، ونزلوا يريدون حصر مَرّاكُش ، فحدَّثني جماعة أنّهم نزلوا على باب أَغْمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف ، بين فارسٍ وراجل ، فخذلوا ودخلوا المدينة على أسوأ حالة ، فجاء من الأندلس ابن همشك في مائة فارس ، فشجّع أمير المسلمين ، وخرج فقاتل ، فانتصر المرابطون ، وَقُتِلَ من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا ، فما سلِم منهم إلّا نحو أربعمائة نفس ، كذا قال اليَسَع . وقال ابن خلِّكان : حَضَرت ابن تُومَرْت الوفاةُ ، فأوصى أصحابه وشجّعهم ، وقال : العاقبة لكم ، ومات في سنة أربعٍ وعشرين إثر الوقعة الّتي قُتِلَ فيها الوَنْشَرِيسيّ ، ودُفِن بالجبل ، وقبرُه مشهورٌ معظّم ، ومات كهلًا ، وكان رَبْعةً ، أسمر ، عظيم الهامة ، حديد النّظر ، مَهِيبًا . وقيل فيه : آثاره تُغنيك عن أخباره . . . حتّى كأنّك بالعَيَان تراه قدمٌ في الثَّرَى وهامة في الثُّرَيّا ، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا ، أغفل المرابطون حله وربطه حتّى دبّ دبيب الفَلَق في الغَسَق ، وترك في الدّنيا دَوِيًّا ، وكان قُوتُه من غزْل أخته رغيفًا في كلّ يومٍ ، بقليل سمنٍ أو زيت ، ولم ينتقل عن ذلك حين كثُرت عليه الدّنيا ، ورأى أصحابه يومًا وقد مالت نفوسُهم إلى كثْرة ما غنموه ، فأمر بإحراق جميعه ، وقال : من كان يبتغي الدّنيا فما له عندي إلا ما أرى ، ومن كان يبغي الآخرة فجزاؤه عند الله . ومن شعره : أخذت بأعضادهم إذْ نأوا . . . وخَلْفك القوم إذْ ودّعوا فكم أنت تُنْهَى ولا تنتهي . . . وتُسْمع وعظًا ولا تَسْمعُ فيا حجر الشَّحْذ حتّى متى . . . تسنّ الحديد ولا تقطعُ ؟ وكان يتمثّل كثيرًا : تجرّد من الدّنيا فإنك إنما . . . خرجت إلى الدُّنيا وأنت مجرَّدُ ولم يتملك شيئًا من البلاد ، وإنما قرّر القواعد ومهّدها ، وبَغَتَه الموت ، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن .