الذهبي
417
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
البشير ، والشَيخ أبو محمد عبد الواحد الزّواويّ ، وكان يُعرف بطير الجنَّة ، والشَيخ أبو محمد عبد الله بن أبي بكر ، والشَيخ أبو حفص عمر بن أَرْناق ، والشَيخ أبو محمد واسنار الأَغْماتيّ ، والشَيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع ، وآخر ، فهؤلاء الّذين سبقوا وتعرَّفوا به لأخذ العلم عنه ، وكان اجتماعهم به أفذاذا في حال تَطْوافه في البلاد ، فآثرهم واختصّهم . وفي أوّل سنة أربعٍ وعشرين جهّز جيشًا زُهاء عشرين ألف مقاتل ، قدم عليهم البشير ، ثمّ دونه عبد المؤمن ، بعد أمورٍ وحروب ، فساروا إلى مَرّاكُش ، وحاصروها عشرين يومًا ، فأرسل عليّ بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سجلْماسَة ، فجمع جيشًا وجاء من جهة ، وخرج ابن تاشفين من البلد من جهة ، ووقع الحرب ، واستَحَرَّ يومئذٍ القتل بجيش المَصَامِدة ، فقتل أمريهم عبد الله البشير ، فالتفُّوا على عبد المؤمن ، ودام القتال إلى اللّيل ، وصلّى بهم عبد المؤمن يومئذٍ صلاة الخوف والحرب قائمة ، وتكاثر الملثّمون ، وتحيّز المصامدة إلى بستانٍ هناك مُلْتَفٍّ الشجر يُعرف بالبحيرة ، فلذا قيل وقعة البحيرة ، وبلغت قتلاهُم ثلاثة عشر ألفًا ، وأُنهي الخبر إلى المهديّ فقال : عبد المؤمن سالم ؟ قيل : نعم ، قال : ما مات أحد ، الأمر قائم ، وكان مريضًا ، فأوصى بأتّباع عبد المؤمن ، وعقد له من بعده ، وسمّاه أمير المؤمنين ، وقال لهم : هذا الّذي يفتح الله البلاد على يديه ، فلا تشُكّوا فيه ، وأعْضدوه بأموالكم وأنفسكم ، ثمّ مات في آخر سنة أربعٍ وعشرين . قال اليَسَع بن حزْم : سَمَّى ابن تُومَرْت أتباع المرابطين مجسّمين ، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه الله تعالى عمّا لَا يجب له ، وصفته بما يجب له ، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه ، وكان علماء المغرب يعلّمون العامَّة أنّ اللّازم لهم أنَّ اللَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير ، إلى أن قال : فكفّرهم ابن تُومَرْت بوجهين ، بجهل العرض والجوهر ، وأنّ من لَا يعرف ذلك لَا يعرف المخلوق ، ولم يعرف الخالق ، الوجه الثّاني : إنّ من لم يهاجر إليه ولم يقاتل المرابطين معه فهو كافر ، حلال الدّم والحريم ، وذكر أنّ غضبه لله ، وإنّما قام حِسْبةً على قومٍ أغرموا النّاس ما لَا يجب عليهم ، وهذا تناقض ، لأنّه كفّرهم ، وإنّ كانوا مسلمين ، فأخذ المرابطين منهم النَّزْر اليسير أشبه من قتْلهم