الذهبي

412

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

دَابَّةٍ ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُبَشِّرًا لَكُمْ مُطَّلِعًا عَلَى أَسْرَارِكُمْ ، وَهُوَ آيَةٌ لَكُمْ ، فَإِنَّهُ حَفِظَ الْقُرْآنَ ، وَتَعَلَّمَ الرُّكُوبَ ، ثُمَّ اسْتَعْرَضَهُ الْقُرْآنُ ، فَقَرَأَهُ لَهُمْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَرَكِبَ حِصَانًا وَسَاقَهُ ، فَتَعَجَّبُوا وَعَدُّوا ذَلِكَ آيَةً ، وَصَحَّ لابْنِ تُومَرْتَ بذلك ما أطراه عَلَى نفوسٍ سَلِيمَةٍ لَا يَعْرِفُونَ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ ، فَتَحَقَّقَ تَصْدِيقُهُمْ إِيَّاهُ ، فَقَامَ خَطِيبًا ، وَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } ، وقال : { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ، وَهَذَا الْبَشِيرُ مُطَّلِعٌ عَلَى الأَنْفُسِ ، مُحَدَّثٌ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثِينَ ، وَإِنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ " . وَقَدْ صَحِبَنَا أقوامٌ أطلعه الله على سرهم ونفاقهم ، ولابد مِنَ النَّظَرِ فِيهِمْ ، وَيُتَمِّمُّ الْعَدْلَ فِيهِمْ ، ثُمَّ نُودِيَ فِي جِبَالِ المصامدة : من كان مطيعًا للإمام فليقبل ، فكانوا يأتون قبائل قبائل ، فيُعرضون عليه ، فيخرجون قومًا على يمينه ، ويعدّهم من أهل الجنَّة ، وقومًا على يساره ، ويقول : هؤلاء شاكّون في الأمر ، حتّى كان يؤتى بالرجل فيقول : رُدّوا هذا على اليمين ، فإنّه تائب ، وقد كان قبل كافرًا ، ثمّ أحدَث البارحة توبة ، فيَعترف بما أخبر به ، واتّفقت له فيهم عجائب ، وكان يطلق أهل اليَسَار وهم يعلمون أنّ مآلهم إلى القتْل ، فلا يفرّ منهم أحد ، وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتُهُم ، يقتل الأب ابنه ، والأخُ أخاه ، وابن العمّ ابن العَمّ ، فالّذي صحّ عندي إنّه قُتِلَ منهم سبعون ألفًا على هذه الصّفة ، ويسمُّونها التّمييز . ولما كمل التّمييز وجّه جُمُوعه مع البشير نحو أَغْمات ، فالتقوا المرابطين فهزموهم ، وَقُتِلَ خلقٌ من المَصَامِدة لكونهم ثبتوا ، وَجُرِحَ عمر الهنتاتي جراحات ، فحملوه على أعناقهم ، وهو كالميت ، لَا يَنْبض له عِرْق ، فقال لهم البشير : إنّه لَا يموت حتّى يفتح البلاد ، ويغزو في الأندلس ، وبعد مدَّة من استماتته فتح عينيه ، فزادهم ذلك إيمانًا بأمرهم ، ولّما أَتَوْا عزّاهم ابن تُومَرْت وقال : يومٌ بيوم ، وكذلك حرْبُ الرسل . نقل عبد الواحد بن علي التّميميّ المَرّاكُشيّ في كتاب " المعجب " الذي