الذهبي
362
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
واسط ، فقال : الأموال معكم ، وليس معي شيء ، فاقطعوا البلاد . ثمّ استقر أن يُدفع إلى زنكيّ ثلاثون ألفًا مصانعةً عن الأملاك ، ثمّ بات الحَرَس تحت التاج خوفًا من زنكي ، ثمّ أشار زنكيّ على ابن صَدَقة أن يكون وزيرًا لداود ، فخلع عليه لذلك ، ثمّ استوثق زنكيّ من اليمين من الخليفة وعاهده ، وقبّل يده ، وطلب الخليفة أبا الرضا بن صدقة فجاء ، ففوض إليه الأمور كلها . وأمر السّلطان داود والأمراء بالمسير لحرب مسعود ، فساروا ، فبلغهم أنّه رحل يطلب العراق ، فردّهم الراشد وحلَّفهم ، وقال : أريد أن أخرج معكم ، فلما انسلخ شعبان خرج الخليفة ورحلوا ، وخاف العّامة ، وشرعوا في إصلاح السُّور ، ولبِسوا السّلاح ، فكان الأمراء ينقلون اللَّبِن على الخيل ، وهم نقضوه . وجاءت كتبٌ إلى سائر الأمراء من مسعود ، فأحضروها جميعها إلى الخليفة ، وأنكر شِحْنة بغداد المكاتبة وأخفاها ، ثمّ كتب جوابها إلى مسعود ، فأخذه زنكيّ فغرقه . وفي وسط رمضان جاء عسكر مسعود فنازلوا بغداد ، ووقع القتال ، وخامر جماعة أمراء إلى الخليفة ، فخلع عليهم وقبَّلهم ، ثمّ بعد أيّام كان وصول رسول مسعود يطلب الصّلح ، فقُرِئت الرسالة على الأمراء ، فأبوا إلّا القتال . وصلّى النّاس العيد داخل السّور ، فوصل يومئذٍ أصحاب مسعود فدخلوا الرّصافة ، وكسروا أبواب الجامع ونهبوا ، وقلّعوا شبابيك التُّرَب وعاثوا ، وجاء مسعود في رابع شوّال في خمسة آلاف راكب على غفْلة ، وخرج النّاس للقتال ، ودام الحصار أيّامًا ، وجاء ركابي لزنكيّ ، فقتله العّيارون فقال زنكيّ : أريد أن أكبس الشّارع والحريم ، وآخذ ما قيمته خمسمائة ألف دينار من الحرير والقماش والذهب والفضَّة . ونفّذ مسعود عسكرًا إلى واسط فأخذها ، والنُّعمانية فنهبها ، فتبِعهم عسكر الخليفة ونُودي : لَا يبقى ببغداد أحد من العسكر ، وخرج الراشد فنزل على صرصر ، واستشعر بعض العسكر من بعض ، فخشي زنكيّ من البازدار والبقش ، فعاد إلى ورائه ، فرجع أكثر العسكر منهزمين ، ودخل الراشد بغداد ، وقيل : إن مسعودًا كاتَب زنكيّ سرًّا ، وحلف له أنه يُقِرّه على الموصل والشّام ، وكاتب الأمراء أيضا فقال : مَن قبض منكم على زنكيّ أو قتله أعطيته بلاده ، فعرف زنكي ، فأشار على الراشد أن يرحل صُحْبته . وفي رابع عشر ذي القعدة ركب الخليفة ليلًا وسار ، وزنكي قائم ينتظره ،