الذهبي

346

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربعٍ كما يأتي ، وانفرجت الكربة وجاء من نصر الله تعالى ما لم يخطر ببال ، وأمن النّاس ، وخرجوا إلى ضياعهم ، وتبدّلوا بالأمن بعد الخوف . وفيها قُتِلَ مَن كان يُرمى بمذهب الباطنيَّة بدمشق ، وكان عددهم ستة آلاف ، وكان قد قِتل ببغداد من مُدَيْدَة إبراهيم الأَسَدَاباذيّ ، وهرب ابن أخيه بهرام إلى الشّام وأضل خلقا بها واسْتَغْواهم ، ثمّ إنّ طُغتكين ولّاه بانياس ، فكانت هذه من سيّئات طُغتكين ، عفا الله عنه ، وأقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو إلى مذهبه ، فكُثر بدمشق أتباعه ، وملك بهرام عدَّة حصون من الجبال منها القَدْمُوس ، وكان بوادي التَّيْم طوائف من الدَّرْزيَّة والنُصَيْريَّة والمجوس ، واسم كبيرهم الضَحّاك ، فسار إليهم بهرام وحاربهم ، فكبس الضّحّاك عسكر بهرام ، وقتل طائفة منهم ، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال ، وكان المَزْدقانيّ وزير دمشق يُعينهم ويُقوّيهم ، وأقام بدمشق أبا الوفاء ، فكثُر أتباعه وقويت شوكته ، وصار حكمه في دمشق مثل حكم طُغتِكين ، ثمّ إنّ المَزْدقاني راسلَ الفرنج ، لعنهم الله ، ليُسلِّم إليهم دمشق ، ويُسلَّموا إليه صور ، وتواعدوا إلى يوم جمعة ، وقررّ المَزْدقاني مع الباطنيَّة أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع ، لَا يمكنون أحدًا من الخروج ، ليجيء الفرنج ويملك دمشق ، فبلغ ذلك تاج المُلوك بوري ، فطلب المَزْدقاني وطمّنه ، وقتله وعلَّق رأسه على باب القلعة ، وبذل السّيف في الباطنيَّة ، فقتل منهم ستة آلاف ، وكان ذلك فتحا عظيمًا في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان ، فخاف الّذين ببانياس وذلُّوا ، وسلّموا بانياس إلى الفرنج ، وصاروا معهم ، وقاسوا ذلًا وهوانًا . وجاءت الفرنج ونازلت دمشق ، فجاء إلى بغداد في النفير عبد الوهاب الواعظ ابن الحنبليّ ، ومعه جماعة من التّجّار ، وَهَمُّوا بكسر المنبر ، فوُعِدوا بأن ينفّذ إلى السّلطان في ذلك ، وتناخى عسكر دمشق والعرب والتُّركُمان ، فكبسوا الفرنج ، وثبت الفريقان ، ونصر الله دينه ، وقتل من الفرنج خلق ، وأسر منهم ثلاثمائة ، وراحوا بشَرّ خَيْبَة ، ولله الحمد .