الذهبي

87

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وقائع ومحَن للَأصحاب . وكان يقيم رسْم التَّدريس ، لكنَّهُ كان رئيسًا ، ديّنًا ، ذكيّا صيِّنًا ، قليل الكلام . ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة . وسمع من مشايخ وقته بخُراسان ، والعراق ، مثل النصْرويي ، وأبي حسان المزكي ، وأبي حفص بن مسرور . وكان بيتهم مجمع العلماء ومُلتقى الأئِمّة ، فَتُوُفّي أبوه سنة أربعين ، فاحتفَّ به الأصحاب ، وراعوا فيه حقَّ والده ، وقدّموه للرياسة . وقام أبو القاسم القُشيْريّ في تهيئة أسبابه ، واستدعى الكُلّ إلى متابعته ، وطلب من السُّلطان ذلك فأُجيب ، وأرسل إليه الخِلع ولقّب بأبيه جمال الْإِسلام ، وصار ذا رأيٍ وشجاعة ودهاء ، وظهر له القَبول عند الخاصّ والعامّ ، حتّى حسده الأكابر وخاصموه ، فكان يخصمهم ويتسلَّط عليهم ، فبدا له خُصُوم ، واستظهروا بالسُّلطان عليه وعلى أصحابه ، وصارت الأشعريَّة مقصودين بالْإِهانة والطَّرْد والنَّفْيّ ، والمنع عن الوعظ والتَّدريس ، وعُزلوا عن خطابة الجامع . ونبغ من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتَّشَيُّع ، فخيَّلوا إلى وليّ الأمر الْإِزراء بمذهب الشَّافعيّ عمومًا ، وتخصيص الأشعريَّة ، حتّى أدَّى الأمر إلى توظيف اللعنة عليهم في الجُمع ، وامتد الأمر إلى تعميم الطَّوائِف باللعن في الخُطَب . واستعلى أولئك في المجامع ، فقام أبو سهل أبلغ قيامٍ ، وتردّدَ إلى العسكر في دفع ذلك ، إلى أن ورد الأمر بالقبض على الرّئيس الفُرَاتيّ ، والقُشَيْرِيّ ، وأبي المعالي ابن الْجُوَيْنيّ ، وأبي سهل بن الموفّق ، ونَفْيهم ومنْعهم عن المحافل . وكان أبو سهل غائبًا إلى بعض النَّواحي ، ولمَّا قُرئ الكِتاب بنفْيهم أُغري بهم الغوغاء والَأوباش ، فأخذوا بأبي القاسم القُشيري والفُراتي يجُرونهُما ويستخفّون بهما ، وحُبسا بالقُهُندز . وكان ابن الْجُوَيْنيّ أحسّ بالَأمر ، فاختفى وخرج على طريق كرْمان إلى الحجاز ، وبقيا في السّجن مُفتَرِقين أكثر من شهر ، فتهيَّأ أبو سهل من ناحية باخَرْز ، وجمع من شاكريّته وأعوانه رجالا عارفين بالحرب ، وأتى باب البلد ، وطلب تسريح الفُرَاتيّ والقُشيري ، فما أُجيب ، بل هُدِّد بالقبض عليه ، فما التفت ، وعزم على دخول البلد ليلًا ، والاشتغال بإخراجهما مُجاهرة ومُحاربة ، وكان مُتولّي البلد قد تهيَّأ للحرب ، فزحف أبو سهل ليلًا إلى قرية له على باب البلد ، وهيَّأ الأبطال ، ودخل البلد مُغافصَةً إلى داره ، وصاح من معه بالنّعرات العالية ، ورفعوا عقائرهم ، فلمّا أصبحوا تردّدت الرُّسُل والنُّصحاء في الصُّلح ، وأشاروا على الأمير بإطلاق