الذهبي
79
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وقت صلاة ؛ يعني بعد العصر ، فانصرفت وقد خُزيت ، وقلت للَأُستاذ الّذي ربَّاني : دلّني على دار الفقيه أبي عبد اللَّه بن دحّون . فقصدته وأعلمته بما جرى عَلَيّ فدلّني على " موطأ " مالك . فبدأتُ به عليه قراءة من ثاني يوم ، ثُمّ تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام ، وبدأتُ بالمناظرة . ثم قال ابن العربيّ : صحِبْتُ ابن حَزْم سبعَةَ أعوام ، وسمعتُ منه جُمَيْع مُصَنَّفاته ، سوى المُجلَّد الأخير من كتاب " الفِصَل " ، وهو سِتّ مُجلَّدات ، وقرأنا عليه من كتاب " الْإِيصال " أربع مُجلَّدات في سنة ستٍّ وخمسين ، وهو أربعة وعشرون مُجلَّدًا ، ولي منه إجازة غير مرَّة . وقال أبو مروان بن حيَّان : توفِّي سنة ست وخمسين وأربعمائة . ثم قال : كان رحمه اللَّه حامل فنون من حديثٍ وفِقْهٍ وجَدَلٍ ونَسَبٍ ، وما يتعلَّق بأذيال الأدب ، مع المُشاركة في أنواع التّعليم القديمة من المنطِق والفلسفة . ولهُ كُتُب كثيرة لم يخل فيها من غَلطٍ لجُراءته في التسوّر على الفنون ، لا سيما المنطِق ، فإنّهم زعموا أنَّهُ زلَّ هُناك ، وضلَّ في سلوك المسائل ، وخالف أرسُطْوطاليس واضعَه مخالفة مَنْ لم يَفْهَم غَرَضَه ، ولا أرتاض . ومال أوّلًا إلى النظر على رأي الشّافعيّ ، وناضل عن مذهبه حتى وُسم به ، فاستُهدف بذلك لكثير من الفُقَهاء ، وعِيب بالشُّذُوذ ، ثم عدَل إلى قول أصحاب الظّاهر ، فنقَّحه ، وجادل عنه ، وثَبُتَ عليه إلى أن مات . وكان يحمل علمه هذا ، ويُجادل عنه من خالفه على استرسال في طباعه ، ومذْل بأسراره ، واستنادٍ إلى العهد الّذي أخذه اللَّه تعالى على العلماء { لتبيِّنَّنه للناس ولا تكتمونه } . فلم يكُ يلطف صَدْعَه بما عنده بتعريض ولا بتدريج ، بل يصكّ به من عارضه صكَّ الجَندل ، ويُنْشِقهُ إنشاق الخردل ، فتنفر عنه القلوب ، وتوقع به النّدوب ، حتى استُهدِف إلى فقهاء وقته ، فتمالؤوا عليه ، وأجمعوا على تضليله ، وشنَّعوا عليه ، وحذَّروا سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامَّهم عن الدُّنُو منه ، فطَفِقَ المُلوك يُقصونه عن قُرْبِهم ، ويسيِّرونه عن بلادهم ، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بلده من بادية لَبلة ، وهو في ذلك غير مرتدعٍ ولا راجع ، يبثُّ علمه فيمن ينتابه من بادية بلده ، من عامَّة المُقتبسين ، منهم من أصاغر الطَّلبة الّذين لا يخشون فيه الملامة ، يُحدّثهم ، ويُفقّههم ، ويُدارسهم . كمل من مُصَنَّفاته وِقر بَعِير ، لم يَعْدُ أكثَرُها عَتَبَة باديته لزهد الفقهاء فيها ، حتى أنه أحرق بعضها بإشبيليّة ومُزِّقت