الذهبي
747
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
معدودة ، وفضائله كثيرة ، وللشعراء فيه مدائح جمة ، وآخر أمره أنّ الخليفة حبسه في داره بعد أنّ صادره وزير السّلطان بركياروق ، وأخذ منه خمسة وعشرين ألف دينار في رمضان ، ثم أخرج من دار الخلافة ميتا في سادس عشر شوال ، وحمل إلى بيته ، وغسل ودفن بتربة له ، فقيل : إنه أهلك في حمام أغلق عليه . وقيل : بل أهلك بأمراض وأوجاع مع شدة الخوف والفرق . وكان قد اشتهر بالوفاء والعفة ، وجودة الرأي ، ووفور الهيبة ، وكمال الرياسة ، لم يكن يعاب بأشد من التكبر الزائد ، فمن الذي كان يفرح بأن ينظر إِلَيْهِ نظرة أو يكلّمه كلمة . قال مرة لولد الشيخ أبي نصر ابن الصّبّاغ : " اشتغِلْ وتأدَّب ، وإلّا كنت صبّاغًا ، بغير أب " ، فلمّا خرج من عنده هنَّأه من حضر بأن الوزير خاطبه بهذا . ولمّا تغيّر المستظهر عَلَيْهِ بسعْي صاحب الدّيوان هبة اللَّه بْن المطَّلِب ، وناظر الخزانة الحَسَن بْن عَبْد الواحد بْن الحصين ، وصاحب ديوان الإنشاء ابن الموصلايا إلى المستظهر - وكانوا قد خافوا منه - فخرج المرسوم بحِفْظ باب العامة لأجله ، فأمر زوجته بالخروج إلى الحِلّة ، وهيّأ لنفسه صُنْدُوقًا يدخل فيه ، ويكون من جملة صناديق زوجته ، فلمّا قعد فيه أسرع الخروج منه وقال : لا يتحدّث النّاس عنّي بمثل هذا . وكان خواصّ الخليفة أيضًا قد ملّوه وسئموه ، فأُخِذ وحُبِس . قَالَ ابن الحُصَيْن المذكور : وجدتُ عميد الدّولة قد استحال في محبسه ، واشتدّ إشفاقه ، جعل يخاطبني ويقول : يا روحي ويا قُرّة عيني ، وأنشدني في عرض حديثه : إذا أراد الله خيرا بامرئ . . . وكان ذا رأي وعقل وبصر أغراه بالجهل وأعمى قلبه . . . وسله من رأيه سل الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه . . . رد إليه عقله ليعتبر ثمّ قَالَ : نازلت الحصون وشهدت الوقائع والحروب فاستهنت خطبها ، وقد قنطت من النجاة ، وما أعرفها إلا منك ، وأريد المقام في مكان آمن فيه بسفارتك ، فقد غرقت بالمصيبة ، فوعدته بأنّني أستعطف الخليفة ، وخرجت وجلست أكتب ما أُرَقّق بِهِ قلب الخليفة عَلَيْهِ ، فدخل عليَّ أبو نصر ابن