الذهبي

696

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

أحمد بْن عَبْد المُلْك بْن غطّاس ، وكانت الباطنيّة بأصبهان قد ألبسوه تاجًا ، وجمعوا لَهُ الأموال ، وقدموه ؛ لأن أباه عَبْد المُلْك كَانَ من علمائهم لَهُ أدب وبلاغة ، وحُسْن خَطّ ، وسُرعة جواب ، مَعَ عِفّةٍ ونزاهة ، وطلع ابنه أحمد هذا جاهلًا ، قِيلَ لابن الصباح صاحب الألموت : لماذا تعظم ابن غطّاس عَلَى جَهْله ؟ قَالَ : لمكان أَبِيهِ ، فإنه كَانَ أستاذي . وكان ابن غطاس قد استفحل أمرُه ، واشتد بأسُه ، وقطعت أصحابه الطرق ، وقتلوا الناس . قَالَ ابن الأثير : قتلوا خلقًا كثيرًا لا يمكن إحصاؤهم ، وجعلوا لهم عَلَى القُرى والأملاك ضرائب يأخذونها ، ليكفوا أَذَاهم عَنْهَا ، فتعذَّر بذلك انتفاعُ النّاس بأملاكهم ، والدّولة بالضّياع ، وتمشّى لهم الأمر بالخُلْف الواقع ، فلمّا صفا الوقت لمحمد لم يكن له همّه سِواهم ، فبدأ بقلعة إصبهان ، لتسلُّطها عَلَى سرير مُلْكه ، فحاصرهم بنفسه ، وصعد الجبل الّذي يقابل القلعة ، ونصب لَهُ التَّخْت ، واجتمع من إصبهان وأعمالها لقتالهم الأُممُ العظيمة ، فأحاطوا بجبل القلعة ، ودَوْرُهُ أربعةُ فَرَاسخ ، إلى أنّ تعذّر عليهم القُوت ، وذلّوا ، فكتبوا فُتْيا : ما يَقُولُ السادة الفُقَهاء في قوم يؤمنون باللَّه وكُتُبه ورُسُلِه واليوم الآخر ، وإنّما يخالفون في الْإِمَام ، هَلْ يجوز للسّلطان مهادنتهم ومُوادعتهم ، وأن يقبل طاعتهم ؟ فأجاب الفُقهاء بالجواز ، وتوقّف بعض الفُقَهاء ، فجُمعوا للمناظرة ، فقال أبو الحَسَن عليّ بْن عَبْد الرحمن السنجاري الشافعي : يجب قتالهم ، ولا ينفعهم التلفظ بالشّهادتين ، فإنّهم يقال لهم : أَخْبِرُونا عَنْ إمامكم إذا أباح لكم ما حظر الشرع أيقبلون منهم ؟ فإنّهم يقولون : نعم ، وحينئذ تُباح دماؤهم بالإجماع ، وطالت المناظرة في ذَلِكَ . ثمّ بعثوا السلطان يطلبون من يناظرهم ، وعيّنوا أشخاصًا ، منهم شيخ الحنفيّة القاضي أبو العلاء صاعد بْن يحيى قاضي إصبهان ، فصعدوا إليهم ، وناظروهم ، وعادوا كما صعدوا ، وإنّما كَانَ قصدهم التَّعَلُّل ، فلجّ السّلطان حينئذٍ في حصْرهم ، فأذعنوا بتسليم القلعة على أن يعطوا قلعة خالنجان ، وهي عَلَى مرحلةٍ من إصبهان ، وقالوا : إنا نخاف عَلَى أرواحنا من العامّة ، ولا بُدّ من