الذهبي
674
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
ولم يكن بقي مع محمد غير ثلاثمائة فارس ، فقدم إِلَيْهِ أخوه سَنْجَر وانضمّ إليهما عسكرٌ كثير ، وتضرر بالعسكر أهل خراسان . وأما السلطان بركياروق ، فصار جيشه قريبًا من مائة ألف ، فغلت الأسعار ، واستأذنته الأمراء في التفرق للغلاء ، فبقي في عسكر قليل ، فبلغ ذَلِكَ أخَوَيْه ، فقصداه وطَوَيا المراحل ، فتقهقر ونقصت هيبته ، وقصد هَمَذَان ، فبلغه أنّ إياز متولّيها قد راسل محمدًّا ليكون معه ، فسار إلى خُوزِسْتان ، ثمّ خرج إلى حلوان . وأمّا إياز فلم يقبله محمد ، فخاف وهرب إلى عند بَركيَارُوق ، فدخلت أصحاب محمد ، ونهبوا حواصله ، فيقال إنهم أخذوا له خمسمائة فرس عربية ، وتكامل مع بركياروق خمسة آلاف ضعفاء ، قد ذهبت خيامهم وثقلهم ، فقدم بهم بغداد ، وتمرض ، وبعث يشكو قلّة المال إلى الدّيوان ، فتقرَّر الأمر عَلَى خمسين ألف دينار حُمِلت إِلَيْهِ ، ومد أصحابه أيديهم إلى أموال الرّعية وظلموهم . وخرج عَنْ طاعته صاحب الحلّة ، وخطب لأخيه محمد ، وفي آخر العام وصل محمد وسَنْجَر إلى بغداد ، وجاء إلى خدمته إيلغازي بْن أُرْتُق ، وتأخر بَركيَارُوق وهو مريض إلى واسط ، وأصحابه ينهبون القرى ويأكلون ، وفرح الخليفة والناس بالسلطان محمد . وفيها أو في حدودها ظهرت الباطنية بالعراق ونواحيها ، وكثروا ؛ قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم : أول ما عرف من أخبار الباطنية ، في أيام ملك شاه ، أنّهم اجتمعوا فَصَلُّوا العيد في ساوَة ، ففِطن بهم الشحنة ، فأخذهم وحبسهم ، ثم أطلقهم ، فسألوا مؤذناً من أهل ساوة أنّ يدخل في مذهبهم ، فامتنع ، فخافوا أنّ ينمّ عليهم ، فقتلوه ، فرُفِع ذَلِكَ إلى نظام الملك ، فأخذ رجلاً نجاراً اتهمه بقتله فقتله ، فتحيلوا حتى قتلوا نظام الملك ، وهو أوّل من فتكوا بِهِ ، وكانوا يقولون : قتلتم منّا نجّارًا ، فقتلنا بِهِ نظام المُلْك ، ثمّ استفحل أمرهم بأصبهان ، ولمّا مات السّلطان ملكشاه ، آل أمرهم إلى أنّهم كانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويلقونهم في الآبار ، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه ، وبلغ من حيلهم أنهم أجلسوا امرأة على حصير لا تبرح منه ، فدخلوا الدار ، يعني الأعوان ، فأزالوها ، فوجدوا تحت الحصير بئرًا فيها